سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٥ - ذكر ما أنزل اللّه سبحانه و تعالى في شأن غزوة الحديبية قال اللّه سبحانه و تعالى
قال ابن هشام: و يدل عليه أنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خرج في الحديبية في ألف و أربعمائة، ثم خرج بعد سنتين إلى فتح مكّة في عشرة آلاف انتهى.
و أما قوله- تعالى- في هذه السّورة: وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً فالمراد به فتح خيبر على الصحيح، لأنها وقعت فيها المغانم الكثيرة، و قسمت خيبر على أهل الحديبية، و أما قوله- تعالى: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً فالمراد به الحديبية، و أما قوله- تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ و قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم) «لا هجرة بعد الفتح» [١] فالمراد به فتح مكّة باتّفاق، فبهذا يرتفع الإشكال و تجتمع الأقوال بعون اللّه.
و قال في موضع آخر: و مما ظهر من مصلحة الصلح المذكور غير ما ذكره الزّهري، أنه كان مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي دخل الناس عقبه في دين اللّه أفواجا» فكانت الهدنة معناها كذلك، و لمّا كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح سميّت فتحا، لأنّ الفتح في اللغة فتح مغلق، و الصّلح كان مغلقا حتّى فتحه اللّه- تعالى. و كان من أسباب فتحه صدّ المسلمين عن البيت، فكان في الصورة الظاهرة ضيماً للمسلمين، و في الصورة الباطنة عزاً لهم، فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض من غير نكير، و أسمع المسلمون المشركين القرآن و ناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، و كانوا قبل لا يتكلمون عندهم بذلك إلّا خفية.
و ظهر من كان يخفى إسلامه، فذلّ المشركون من حيث أرادوا العزّة، و قهروا من حيث أرادوا الغلبة، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ اللام للعلة الغائيّة، جعل الغفران علة للفتح من حيث أنّه سبب عن جهاد الكفّار و السّعي في إعلاء الدين، و إزاحة الشّرك و تكميل النّفوس النّاقصة قهرا، ليصير ذلك بالتّدريج اختيارا، و تخليص الضّعفة من أيدي الظّلمة، و تقدّم الكلام على هذه الآية في أواخر تنبيهات المعراج، و يأتي له تتمة في الخصائص وَ يُتِمَ بالفتح المذكور نِعْمَتَهُ إنعامه بإِعلاء الدين و ضم الملك إِلى النُّبُوّة عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ في تبليغ الرسالة و إقامة مراسيم الديانة صِراطاً طريقا مُسْتَقِيماً يثبّتك عليه، و هو دين الإسلام وَ يَنْصُرَكَ اللّه به نَصْراً عَزِيزاً ذا عز لا ذلّ معه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الثّبات و الطّمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حتى يثبتوا، حتى لا تقلق النفوس و تدحض الأقدام لِيَزْدادُوا إِيماناً يقيناً مَعَ إِيمانِهِمْ يقينهم برسوخ العقيدة و اطمئنان النفس عليها، أو أنزل فيه السّكون إلى ما جاء به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) لِيَزْدادُوا إِيماناً بالشرائع مَعَ إِيمانِهِمْ باللّه و اليوم الآخر وَ لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فلو أراد نصرَ دينه بغيركم لفعل وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً بخلقه حَكِيماً في صنعه، أي لم يزل متّصفاً بذلك، ثم ذكر- تعالى- القصة في
[١] أخرجه من حديث ابن عباس البخاري ٦/ ٣ (٢٧٨٣) و مسلم ٢/ ٩٨٦ (٤٤٥/ ١٣٥٣).