سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٥ - ذكر بعض آيات وقعت في رجوع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من تبوك إلى المدينة
عليهم، ثم نزل و وضع يده تحت الوشل، ثم مسحه بإصبعيه حتى اجتمع منه في كفه ماء قليل، ثم نضحه به، ثم مسحه بيده، ثم دعا بما شاء اللّه أن يدعو، فانخرق منه الماء- قال معاذ بن جبل: و الذي نفسي بيده لقد سمعت له من شدّة انخراقه مثل الصواعق- فشرب الناس ما شاءوا، و استقوا ما شاءوا، ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- للناس «لئن بقيتم. أو من بقي منكم»- لتسمعن بهذا الوادي و هو أخصب مما بين يديه و مما خلفه» [١] قال سلمة بن سلامة بن وقش:
قلت لوديعة بن ثابت: ويلك أبعد ما ترى شيء؟ أما تعتبر؟ قال: قد كان يفعل بهذا مثل هذا قبل هذا، ثم سار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-.
و روى محمد بن عمر، و أبو نعيم عن جماعة من أهل المغازي قال: بينا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يسير منحدرا إلى المدينة، و هو في قيظ شديد، عطش العسكر بعد المرتين الأوليين عطشا شديدا حتى لا يوجد للشّفة ماء قليل و لا كثير، فشكوا ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأرسل أسيد بن الحضير في يوم صائف، و هو متلثم، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «عسى أن تجد لنا ماء» فخرج أسيد و هو فيما بين تبوك و الحجر في كل وجه فيجد راوية من ماء مع امرأة من بليّ، فكلّمها أسيد، و أخبرها خبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقالت: فهذا الماء، فانطلق به إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قد وصفت له الماء و بينه و بين الطريق هنيهة، فلما جاء أسيد بالماء دعا فيه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و دعا فيه بالبركة، ثم قال: «هلم أسقيتكم» فلم يبق معهم سقاء إلا ملئوه، ثم دعا بركابهم و خيولهم، فسقوها حتى نهلت، و يقال إنه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أمر بما جاء به أسيد فصبه في قعب عظيم من عساس أهل البادية فأدخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فيه يده، و غسل وجهه و يديه و رجليه، ثم صلى ركعتين، ثم رفع يديه مدا، ثم انصرف و إن القعب ليفور، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- للناس «ردوا» فاتسع الماء و انبسط الناس حتى يصنّف عليه المائة و المائتان فارتووا، و إن القعب ليجيش بالرّواء، ثم راح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مبردا مترويا
[٢].
و روى الطبراني بسند صححه الشيخ و حسنه الحافظ- خلافا لمن ضعّفه- عن فضالة ابن عبيد- رضي اللّه عنه- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- غزا غزوة تبوك فجهد الظهر جهدا شديدا فشكوا ذلك إليه، و رآهم يزجون ظهرهم، فوقف في مضيق و الناس يمرون فيه، فنفخ فيها و قال: «اللهم احمل عليها في سبيلك فإنك تحمل على القوي و الضعيف و الرطب و اليابس في البر و البحر» فاستمرت فما دخلنا المدينة إلا و هي تنازعنا أزمتها [٣].
[١] المغازي للواقدي ٣/ ١٠٣٩.
[٢] المصدر السابق.
[٣] الطبراني في الكبير ١١/ ٣٠١ و ابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (١٧٠٦) و انظر المجمع ٦/ ١٩٣ و البيهقي في الدلائل ٦/ ١٥٥، و ابن كثير في البداية ٦/ ١٨٦.