سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٢ - ذكر خروج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لطلب العدو
و قال سلمة: و لحقني عمّي بسطيحة فيها مذقة من لبن، و سطيحة فيها ماء فتوضأت و شربت.
و روى ابن سعد عنه قال: لحقنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و الخيول عشاء انتهى.
قال سلمة: فأتيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو على الماء الذي أجليتهم عنه، فإذا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد أخذ تلك الإبل، و كلّ ما قد استنقذته من المشركين، و كل رمح و بردة، و إذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، و شوى لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من سنامها و كبدها فقلت: يا رسول اللّه!! قد حميت القوم الماء، و هم عطاش خلفي، فانتخب من القوم مائة رجل فأتبع القوم فلا يبقى مخبر إلا قتلته. فضحك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حتى بدت نواجذه في ضوء النّار، و قال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم. و الذي أكرمك. فقال: «ملكت فأسجح، إنهم ليغبقون» [١] و في لفظ ليقّرون في أرض غطفان»،
فجاء رجل من غطفان و قال:
نحر لهم فلان جزورا، فلما كشطوا جلدها رأوا غبارا، قالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين.
قال ابن إسحاق: و قسّم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في أصحابه في كل مائة جزورا.
و أقام- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بذي قرد يوما و ليلة يتحسّب الخبر.
و في حديث سلمة أنهم كانوا خمسمائة.
قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد: و يقال سبعمائة، و بعث سعد بن عبادة- رضي اللّه عنه- بأحمال تمر، و بعشر جزائر فوافت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بذي قرد،
قال سلمة: فلمّا أصبحنا قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «خير فرساننا اليوم أبو قتادة، و خير رجّالتنا سلمة»
[٢].
ثم أعطاني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سهم الفارس و الراجل فجمعهما لي جميعا، ثم أردفني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلما كان بينها و بينه قريب من ضحوة، و في القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق، فجعل ينادي: هل من يسابق؟ إليّ رجل يسابق إلى المدينة، فعل ذلك مرارا،
و أنا وراء رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مردفي، قلت له: أما تكرم كريما، و لا تهاب شريفا؟ قال: لا، إلّا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قلت: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي خلّني فلأسابق الرّجل، قال: «إن شئت» قلت: أذهب، فطفر عن راحلته، و ثنيت رجلي، فطفرت عن الناقة، ثم ارتبطت عليه شرفا أو شرفين، يعني استبقيت نفسي، ثمّ عدوت حتّى ألحقه، فأصكّ بين كتفيه بيدي، و قلت: سبقتك و اللّه، فضحك و قال: و اللّه إن أظن، فسبقته حتى قدمنا المدينة، فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا إلى خيبر.
[١] الغبوق ما يشرب بالعشي، انظر المعجم الوسيط ٢/ ٦٤٩.
[٢] ذكره ابن عساكر في تهذيب دمشق ٦٠/ ٢٣٢.