سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٥ - تنبيهات
و روى الطّبرانيّ و غيره كما في القصّة عن الشّعبي [و رواه] ابن مندة عن ذر بن حبيش- (رحمهما اللّه)- أن أوّل من بايع أبو سنان الأسدي، و الجمع [ممكن] بينهما.
الثاني و العشرون: في حديث سلمة بن الأكوع- رضي اللّه عنه- أنهم بايعوا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على الموت، و في حديث جابر و غيره: على أنّهم لا يفرّوا، و قال الحافظ:
لا تنافي بينهما، لأن المراد بالمبايعة على الموت ألّا يفرّوا و لو ماتوا، و ليس المراد أن يقع الموت و لا بدّ، و هو الّذي أنكره نافع و عدل إلى قولهم، بل بايعهم على النّصر، أي على الثّبات، و عدم الفرار، سواء أفضى ذلك إلى الموت أم لا. و قال في موضع آخر: من أطلق أن بيعته كانت على الموت أراد لازمها لأنّه إذا بايع على ألّا يفرّوا لزم من ذلك أن يثبت، و الّذي يثبت إمّا أن يغلب و إمّا أن يؤسر، و الذي يؤسر إمّا أن ينجو و إما أن يموت، و لمّا كان الموت لا يؤمن في مثل ذلك أطلقه الرّاوي، و حاصله أنّ أحدهما حكى صورة البيعة و الآخر حكى ما تؤول إليه.
الثالث و العشرون: من الصحابة رضي اللّه عنهم من بايع مرّتين، و هو عبد اللّه بن عمر، و قد اختلف في سبب مبايعته قبل أبيه رضي اللّه عنهما، كما تقدّم في القصة عن نافع عنه.
و جمع بأنه بعثه يحضر الفرس و رأى الناس مجتمعين فقال أنظر ما شأنهم فغدا يكشف حالهم فوجدهم يبايعون فبايع و توجّه إلى الفرس فأحضرها، و أعاد حينئذ الجواب على أبيه فخرج و خرج معه فبايع عمر و بايع ابن عمر مرة أخرى.
الرابع و العشرون: من الصحابة رضي اللّه عنهم من بايع ثلاث مرات، و هو سلمة ابن الأكوع رضي اللّه عنه- طلب ذلك منه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مع علمه بأنه بايع قبل.
قال المهلب: أراد (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يؤكّد بيعته لسلمة لعلمه بشجاعته و غنائه في الإسلام و شهرته بالثبات، فلذلك أمره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة.
قال الحافظ: و يحتمل أن يكون سلمة لما بدر إلى المبايعة ثم قعد قريبا، و استمرّ الناس يبايعون إلى أن خفوا، أراد (صلّى اللّه عليه و سلم) منه أن يبايع لتتوالى المبايعة معه و لا يقع فيها تخلّل، لأن العادة في مبدإ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى، فإذا تناهى قد يقع بين من سيجيء آخرا تخلّل و لا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكره، و الواقع أنّ الّذي أشار إليه المهلب من حال سلمة في الشجاعة و غيرها لم يكن ظهر بعد» لأنه إنّما وقع منه بعد ذلك في غزوة ذي قرد كما سيأتي، حيث استعاد الصرح الّذي كان المشركون أغاروا عليه، فاستلب ثيابهم، و كان آخر أمره أن أسهم له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- سهم الفارس و الرّاجل.