سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - تنبيهات
بالقتال، و إعداد العدة و القوّة، و رباط الخيل، و الأخذ بالجدّ و الحذر، و الاحتراس من عدوه، و محاربته بأنواع الحرب، و التورية، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، و ذلك لأنه إخبار من اللّه- تعالى- عن عاقبة حاله و ماله فما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها اللّه- تعالى- بحكمته موجبة لما وعده به من النّصر و الظّفر، و إظهار دينه و غلبته عدوّه انتهى.
الثالث: اختلف العلماء في العارية هل تضمن إذا تلفت، فقال الشافعي و غيره يضمن، و قال أبو حنيفة و غيره: لا يضمن، و في بعض طرق الحديث «بل عارية مضمونة، و قد اختلفوا في هذا القيد و هو مضمونة، أنه صفة موضّحة أو مقيّدة، فمن قال بالأول قال: تضمن، و من قال مقيدة قال: لا إلا بشرط، قاله في النّور.
الرابع: تضمّن قول السّائل للبراء في الرواية الثانية أ ولّيتم مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و في الثالثة أ فررتم مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و قول البراء رضي اللّه عنه- فأشهد على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أنه لم يولّ، و قوله في الرّواية الثانية «لكنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لم يقر إثبات الفرار، لكن لا على طريق التعميم، و أراد أنّ إطلاق السّائل يشمل الجميع حتّى النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بظاهر الرّواية الثانية، و يمكن الجمع بين الثّانية و الثّالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك و ختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و يحتمل أن البراء فهم أنّ السائل اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع، و مررت برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- منهزما، فلذلك حلف البراء أنّ النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لم يولّ، و دلّ ذلك على أن منهزما حال من سلمة، و لهذا وقع في طريق أخرى «و مررت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- منهزما و هو على بغلته» فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا، و يحتمل أن يكون السائل أخذ العموم من قوله تعالى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة ٢٥] فبيّن البراء أنه من العموم الّذي أريد به الخصوص.
الخامس: يجمع بين قول أنس- رضي اللّه عنه-: بقي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- وحده و بين الأخبار الدّالة أنه بقي معه جماعة بأن المراد بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، و الذين ثبتوا كانوا وراءه، أو الوحدة بالنسبة لمباشرة القتال، و أبو سفيان بن الحارث و غيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة، و نحو ذلك.
السادس: لا تخالف بين قول ابن عمر، لم يبق مع النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مائة رجل، و بين قول ابن مسعود، ثبت مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ثمانون من المهاجرين و الأنصار فإن ابن عمر نفى أن يكونوا مائة، و ابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين.
و ذكر النووي أن الّذين ثبتوا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- اثنا عشر رجلا، و وقع في شعر