سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٧ - ذكر حديث كعب بن مالك و أصحابه- رضي اللّه عنهم
و عرفت أن قد جاء فرج، و آذن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بتوبة اللّه- تعالى- علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، و ذهب قبل صاحبيّ مبشرون، و ركض إليّ رجل على فرس- و عند محمد بن عمر: هو الزبير بن العوام- رضي اللّه عنه- قال كعب: و سعى ساع من أسلم حتى أوفى على الجبل و عند محمد بن عمر: أنه حمزة بن عمرو الأسلميّ: قال كعب: و كان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته، و هو حمزة الأسلمي يبشرني، نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ. و استعرت ثوبين من أبي قتادة- كما عند محمد بن عمر- فلبستهما. قال: و كان الذي بشّر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، فما ظننت أنه يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، أي من الجهد، فقد كان امتنع عن الطعام حتى كان يواصل الأيام صياما لا يفتر عن البكاء، و كان الذي بشر مرارة بن الربيع بتوبته سلكان بن سلامة أو سلامة بن وقش.
قال كعب: و انطلقت إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة اللّه- تعالى- عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني و هنأني.
و اللّه ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره و لا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و هو يبرق وجهه من السرور [أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك] فقلت: يا رسول اللّه، أ من عندك أم من عند اللّه؟ قال: «لا بل من عند اللّه، إنكم صدقتم اللّه فصدقكم اللّه» و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إذا سرّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، و كنا نعرف ذلك: منه، فلمّا جلست بين يديه قلت: يا رسول اللّه، إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى اللّه- تعالى- و إلى رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قلت: نصفه؟ قال «لا» قلت: ثلثه؟ قال: «نعم» قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، و قلت: يا رسول اللّه إنما نجّاني اللّه- تعالى- بالصدق و إنّ من توبتي ألا أحدث إلّا صدقا ما بقيت، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه- تعالى- في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى يومي هذا كذبا، و اني لأرجو أن يحفظني اللّه- تعالى- فيما بقيت، فأنزل اللّه- تبارك و تعالى- على رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ إلى قوله: وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة ١١٧، ١١٩] فو اللّه ما أنعم اللّه عليّ من نعمة- بعد أن هداني للإسلام- أعظم في نفسي من صدقي لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن اللّه تعالى قال في الذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، فقال تبارك و تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا