سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٦٣ - ذكر قدوم أبي بصير على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و رده إليهم و ما حصل له و لأصحابه من الفرج
هدنة المشركين، و كرهوا الثواء بين ظهراني قومهم، فنزلوا مع أبي بصير، و لمّا قدم أبو جندل على أبي بصير سلم له الأمر، لكونه قرشيا فكان أبو جندل يؤمّهم، و اجتمع إلى أبي جندل- حين سمع بقدومه- ناس من بني غفار و أسلم و جهينة، و طوائف من النّاس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل- كما عند البيهقيّ عن ابن شهاب- لا تمرّ بهم عير لقريش إلّا أخذوها و قتلوا من فيها، و ضيّقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلّا قتلوه.
و مما قاله أبو جندل بن سهيل في تلك الأيام:
أبلغ قريشا عن أبي جندل* * * أنّا بذي المروة في السّاحل
في معشر تخفق راياتهم* * * بالبيض فيها و القنا الذّابل
يأبون أن تبقى لهم رفقة* * * من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل اللّه لهم مخرجا* * * و الحقّ لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه* * * و يقتل المرء و لم يأتل
فأرسلت قريش إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أبا سفيان بن حرب يسألونه و يتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير و أبي جندل و من معهم، و قالوا من خرج منّا إليك فأمسكه فهو لك حلال غير حرج أنت فيه. و قال: فإن هؤلاء الرّكب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فكتب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى أبي بصير و أبي جندل يأمرهما أن يقدما عليه، و يأمر من معهما ممّن اتّبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم و أهليهم فلا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش و عيراتها، فقدم كتاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على أبي بصير و هو يموت. فجعل يقرؤه، و مات و هو في يديه، فدفنه أبو جندل مكانه، و جعل عند قبره مسجدا.
و قدم أبو جندل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و معه ناس من أصحابه و رجع سائرهم إلى أهليهم، و أمنت بعد ذلك عيرات قريش.
قال عروة: فلمّا كان ذلك من أمرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضيّة أنّ طاعة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- خير لهم فيما أحبّوا و فيما كرهوا من رأى من ظنّ أن له قوّة هي أفضل مما خصّ اللّه تعالى به رسوله من الفوز و الكرامة- (صلّى اللّه عليه و سلم)-
و لمّا دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عام القضية و حلق رأسه قال: «هذا الّذي وعدتكم».
و لمّا كان يوم الفتح أخذ المفتاح
و قال: «ادعوا لي عمر بن الخطاب. فقال: «هذا الّذي قلت لكم».
و لمّا كان في حجّة الوداع وقف بعرفة و قال: «أي عمر هذا الذي قلت لكم إني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و اللّه ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبية، و كان الناس قصر