سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - ذكر إعلامه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالليل بأن أبا سفيان في الأراك و أمره بأخذه
فأذهب بك إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأستأمنه لك، فإنه و اللّه إن ظفر بك دون رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- لتقتلن، فركب خلفي، و رجع صاحباه- كذا في حديث ابن عباس و عند ابن إسحاق، و محمد بن عمر: أنهما رجعا- و ذكر ابن عقبة، و محمد بن عمر في موضع آخر:
أنهما لم يرجعا، و أنّ العباس قدم بهم إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- انتهى.
قال العبّاس: فجئت بأبي سفيان، كلّما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟
فإذا رأوا بغلة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أنا عليها قالوا: عمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- على بغلته، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- فلما رآني، قام، فقال: من هذا؟ قلت: العباس، فذهب ينظر، فرأى أبا سفيان خلفي، فقال: أي عدوّ اللّه!! الحمد للَّه الّذي أمكن منك بغير عقد و لا عهد، ثم خرج يشتدّ نحو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدّابة البطيئة الرجل البطيء، فاجتمعنا على باب قبّة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و دخل عمر على أثري، فقال عمر: يا رسول اللّه!! هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عقد و لا عهد، فدعني فلأضرب عنقه، قال قلت: يا رسول اللّه إني قد أجرته، ثم التزمت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فأخذت برأسه، فقلت: و اللّه لا يناجيه اللّيلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه، فقلت: مهلا يا عمر، فو اللّه لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، و لكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عبّاس، و في لفظ يا أبا الفضل، فو اللّه لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطّاب لو أسلم، و ما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحبّ إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من إسلام الخطاب لو أسلم [١].
و ذكر ابن عقبة، و محمدّ بن عمر في موضع آخر: قال العباس، فقلت: يا رسول اللّه!! أبو سفيان بن حرب، و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء قد أجرتهم، و هم يدخلون عليك، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) «أدخلهم» فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامّة اللّيل يستخبرهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و دعاهم إلى الإسلام، فقالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-:
«اشهدوا أن لا إله إلّا اللّه و أني رسول اللّه»، فشهد بديل، و حكيم بن حزام،
و قال: أبو سفيان: ما أعلم ذلك، و اللّه إنّ في النّفس من هذا لشيء بعد، فأرجئها.
و عند أبي شيبة عن أبي سلمة، و يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: أنّه قيل لحكيم بن حزام: بايع، فقال: أبايعك و لا أخر إلّا قائما. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أما من قبلنا فلن تخرّ إلا قائما». انتهى.
[١] أخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٤٧٥.