سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧١ - تنبيهات
و أمّا قول ابن إسحاق- (رحمه اللّه)- إنّهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه، لأنه قاله استنباطا من قول جابر- رضي اللّه عنه-: نحرنا البدنة عن عشرة، و كانوا نحروا سبعين بدنة.
و هذا لا يدّلّ على أنّهم لم ينحروا غير البدن، مع أنّ بعضهم لم يكن أحرم أصلا. و قال ابن القيّم: ما ذكره ابن إسحاق غلط بيّن، و استدلّ به من أنّهم نحروا سبعين بدنة، و البدنة جاء إجزاؤها عن سبعة و عن عشرة، و هذا لا يدل على ما قاله فإنّه قد صرّح أن البدنة في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السّبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة و تسعين رجلا، و قد قال في تمام الحديث بعينه: إنّهم كانوا ألفا و أربعمائة.
و أمّا ما وقع في حديث المسور و مروان عن البخاري أنهم خرجوا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بضع عشرة مائة، فيجمع أيضا بأنّ الّذين بايعوا كانوا كما تقدم. و أمّا الّذين زادوا على ذلك فكانوا غائبين عنها، كمن توجّه مع عثمان- رضي اللّه عنه- إلى مكة، على أنّ لفظ البضع يصدق على الخمس و الأربع، فلا تخالف.
و جزم ابن عقبة بأنّهم كانوا ألفا و ستمائة، و في حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفا و سبعمائة. و حكى ابن سعد: أنهم كانوا ألفا و خمسمائة و خمسة و عشرين. و هذا إن ثبت تحرير بالغ.
و زاد ابن مردويه عن ابن عبّاس، و فيه ردّ على ابن دحية، حيث زعم أنّ سبب الاختلاف في عددهم، أنّ الّذي ذكر عددهم لم يقصد التّحديد، و إنما ذكره بالحدس و التّخمين.
الرابع: في أخذه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ذات اليمين عن خالد و جيشه، جواز الاستتار عن طلائع المشركين و مفاجأتهم بالجيش طلبا لغرّتهم.
الخامس: في استشارته- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أصحابه، استحباب مشورة الإمام رعيّته و جيشه استخراجا لوجه الرأي، و استطابة لنفوسهم، و أن يخصّص به بعضهم دون البعض.
السادس:
في قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: ما خلأت و ما ذاك لها بخلق،
جواز الحكم على الشّيء بما عرف من عادته، و إن جاز أن يطرأ عليه، و إذا وقع من شخص هفوة لا يعهد مثلها منه لا تنسب إليه و يردّ على من نسبه إليها ممّن، لا يعرف صورة حاله، لأن خلأ القصواء لو لا خارق العادة لكان ما ظنّه الصّحابة جميعا صحيحا، و لم يعاتبهم النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بعذرهم في ظنّهم.
السابع:
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حبسها حابس الفيل:
أي حبسها اللّه عزّ و جلّ عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها، و قصة الفيل مشهورة، و تقدّمت الإشارة إليها. و مناسبة ذكرها أن الصّحابة لو دخلوا مكّة على تلك الصّورة و صدّتهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدّماء و نهب الأموال، كما لو قدّر دخول الفيل و أصحابه مكة، لكن سبق في علم