سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩ - ذكر مسير رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى الحديبية من غير طريق خالد بن الوليد و ما وقع في ذلك من الآيات
أمامهم
حتى نظر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- إلى الثنية، فقال: هذه ثنية ذات الحنظل؟»
فقال عمرو:
نعم يا رسول اللّه، فلما وقف به على رأسها تحدر به، قال عمرو: فو اللّه إن كان لتهمّني نفسي وحدها إنما كانت مثل الشّراك فاتسعت لي حين برزت، فكانت فجاجا لاجبة و لقد كان الناس تلك الليلة يسيرون جميعا معطفين من سعتها يتحدثون، و أضاءت تلك الليلة حتى كأنّا في قمر [١].
و روى مسلم عن جابر مختصرا، و أبو نعيم عن أبي سعيد، و ابن إسحاق عن الزّهري، و محمد بن عمر عن شيوخه.
قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عام الحديبية حتى إذا كنّا بعسفان سرنا من آخر اللّيل حتى أقبلنا على «عقبة ذات الحنظل» قال جابر: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: من يصعد ثنيّة المرار فإنّه يحط عنه ما حطّ عن بني إسرائيل، فكان أوّل من صعد خيل من الخزرج، ثم تبادر النّاس بعد.
و قال أبو سعيد فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «مثل هذه الثّنيّة الليلة كمثل الباب الذي قال اللّه تعالى لبني إسرائيل وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ) [البقرة ٥٨]
و قال ابن إسحاق: إنّ المسلمين لما أن خرجوا من الأرض الصّعبة و أفضوا إلى أرض سهلة، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «قولوا نستغفر اللّه و نتوب إليه». فقالوا ذلك، فقال: «و اللّه إنها للحطّة الّتي عرضت على بني إسرائيل فلم يقولوها» قال أبو سعيد: ثم قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «لا يجوز هذه الثّنيّة اللّيلة أحد إلا غفر له» فلمّا هبطنا نزلنا فقلت يا رسول اللّه نخشى أن ترى قريش نيراننا، فقال: لن يروكم، فلما أصبحنا صلى بنا صلاة الصبح، ثم قال: «و الذي نفسي بيده لقد غفر للرّكب أجمعين إلّا رويكبا واحدا على جمل أحمر التقت عليه رحال القوم ليس منهم،
و قال جابر: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر».
قال أبو سعيد: فطلب في العسكر فإذا هو عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، و الرّجل من بني ضمرة من أهل سيف البحر يظن أنه من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقيل لسعيد: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: كذا و كذا، فقال له سعيد: ويحك!! اذهب إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) يستغفر لك [٢].
و قال جابر: فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقال: و اللّه لأن أجد ضالّتي أحب إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم. و قال أبو سعيد: فقال بعيري و اللّه أهم من أن يستغفر
[١] ذكره الحافظ ابن كثير في البداية و النهاية ٤/ ١٦٥.
[٢] مسلم في صفات المنافقين رقم (١٢) و البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ١٠٩ و ذكر ابن كثير في التفسير ٧/ ٣١٨ و صاحب الجمل المنافق الجدّين قيس.