سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥٣ - ذكر الهدنة و كيف جرى الصلح يوم الحديبية
فقال: يا أبا بكر: أليس هذا نبيّ اللّه حقا؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحقّ و هم على الباطل؟
أليس قتلانا في الجنّة و قتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا و نرجع و لم يحكم اللّه بيننا و بينهم؟ قال: أيّها الرّجل إنّه رسول اللّه و ليس يعصي ربّه، و هو ناصره فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو اللّه إنّه لعلى الحق. و في لفظ فإنّه رسول اللّه. فقال عمر: و أنا أشهد أنّه رسول اللّه، قال: أو ليس كان يحدّثنا أنّه سنأتي البيت و نطوف به؟ قال: بلى، أ فأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنّك آتيه و مطوّف به. فلقي عمر من هذه الشّروط أمرا عظيما [١]. و قال كما في الصحيح: و اللّه ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ، و جعل يردّ على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الكلام فقال أبو عبيدة بن الجراح- رضي اللّه عنه-: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يقول ما يقول، تعوّذ باللّه من الشّيطان و اتّهم رأيك، قال عمر:
فجعلت أتعوذ باللّه من الشيطان حياء فما أصابني شيء قط مثل ذلك اليوم و عملت بذلك أعمالا- أي صالحة- لتكفر عني ما مضى من التوقف في امتثال الأمر ابتداء كما عند ابن إسحاق و ابن عمر الأسلمي. قال عمر: فما زلت أتصدّق و أصوم و أصلّي و أعتق من الّذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الّذي تكلمت به حتّى رجوت أن يكون خيرا.
و روى البزار عن عمر بن الخطاب- رضي اللّه عنه- قال: اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أردّ أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- برأيي، و ما ألوت على الحق، قال: فرضي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أبيت حتّى قال: «يا عمر تراني رضيت و تأبى»
[٢].
فقال سهيل: هات، اكتب بيننا و بينك كتابا،
فدعا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- عليّا- كما في حديث البراء عند البخاري في كتاب الصّلح و كتاب الجزية، و رواه إسحاق بن راهويه من حديث المسور و مروان، و أحمد، و النّسائي، و البيهقي و الحاكم- و صحّحه عن عبد اللّه بن مغفّل [٣]، فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «اكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم»، فقال سهيل- و أسلم بعد ذلك- أمّا الرّحمن الرّحيم فو اللّه ما أدري ما هو، و لكن اكتب باسمك اللّهم كما كنت تكتب اكتب في قضيّتنا ما نعرف. فقال المسلمون: و اللّه لا نكتبها إلّا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. فقال النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «اكتب باسمك اللّهمّ» ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)» فقال سهيل: و اللّه لو كنّا نعلم أنّك رسول اللّه ما صددناك عن
[١] البخاري ٤/ ٢٦، ١٢٥، أخرجه مسلم ٣/ ١٤١٢ (٩٤/ ١٧٨٥) و الطبراني في الكبير ٦/ ١٠٩ و ابن سعد ١/ ١/ ٢٠، و انظر المجمع ٣/ ٣١٢، ٥/ ٦٧.
[٢] أخرجه الدولابي في الكنى ٢/ ٦٩.
[٣] عبد اللّه بن مغفل: بمعجمة وفاء ثقيلة، ابن عبيد بن نهم: بفتح النون و سكون الهاء، أبو عبد الرحمن المزني، صحابي، بايع تحت الشجرة، و نزل البصرة، مات سنة سبع و خمسين، و قيل بعد ذلك، التقريب ١/ ٤٥٣.