سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - تنبيهات
نصف سنة سواء، و يقال: كان آخر شعبان تلك السّنة آخر سبع سنين و نصف، أو أن رأس الثمان كان أول ربيع الأوّل و ما بعده نصف سنة.
الخامس: ورد أنّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أفطر بالكديد، و في رواية بغيره كما سبق في القصة، و الكلّ في سفرة واحدة، فيجوز أن يكون فطره- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في أحد هذه المواضع حقيقة إما كديد، و إما كراع الغميم، و إما عسفان، و إما قديد، و أضيف إلى الآخر تجوّزا لقربه منه، و يجوز أن يكون قد وقع منه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الفعل في المواضع الأربعة، و الفطر في موضع منها، لكن لم يره جميع النّاس فيه، لكثرتهم، و كرّره ليتساوى النّاس في رؤية الفعل، فأخبر كل عن رؤية عين و أخبر كل عن محلّ رؤيته.
السادس: وقع في الصّحيح: ثم جاءت كتيبة، و هي أقلّ الكتائب، أي عددا فيهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قال القاضي- (رحمه اللّه تعالى)-: كذا لجميع رواة الصحيح بالقاف، و قد وقع في الجمع للحميديّ «أجلّ» بالجيم بدل القاف- من الجلالة، قال القاضي: و هو أظهر انتهى.
و كل منهما ظاهر لا خفاء فيه و لا ريب كما في مصابيح الجامع للدّماميني: أن المراد قلة العدد لا الاحتقار، هذا ما لا يظنّ بمسلم اعتقاده و توهّمه، فهو وجه لا محيد عنه، و لا ضير فيه بهذا الاعتبار. و التّصريح بأنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلم)- كان في هذه الكتيبة الّتي هي أقل عددا ممّا سواها من الكتائب قاض بجلالة قدرها، و عظم شأنها، و رجحانها على كلّ شيء سواها، و لو كان ملء الأرض بل و أضعاف ذلك.
السابع: وقع في الصّحيح عن عروة قال: و أمر النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكّة من كداء- أي بالمدّ- و دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من أسفل مكة من كدّى، أي بالقصر. و هذا مخالف للأحاديث الصّحيحة. ففي الصّحيح و غيره أنّ خالد بن الوليد دخل من أسفل مكّة، و دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من أعلاها، و به جزم ابن عقبة، و ابن إسحاق و غيرهما.
الثامن: الحكمة في نزول النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بخيف بني كنانة الّذي تقاسموا فيه على الشّرك، أي تحالفوا عليه من إخراج النّبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و بني هاشم إلى شعب أبي طالب، و حصروا بني هاشم و بني المطّلب فيه، كما تقدّم ذلك في أبواب البعثة، ليتذكّر ما كان فيه من الشّدّة فيشكر اللّه- تعالى- على ما أنعم عليه من الفتح العظيم، و تمكنه من دخول مكّة ظاهرا على رغم من سعى في إخراجه منها، و مبالغة في الصّفح عن الّذين أساءوا، و مقابلتهم بالمنّ و الإحسان، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء.