سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - ذكر كتاب حاطب بن أبي بلتعة
اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد توجّه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسّيل، و أقسم باللّه لو سار إليكم وحده لنصره اللّه تعالى عليكم، فإنه منجز له ما وعده فيكم، فإن اللّه- تعالى- ناصره و وليّه.
و في تفسير ابن سلام أنه كان فيه: إن محمدا- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد نفر فإمّا إليكم، و إما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى.
و ذكر ابن عقبة أن فيه: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد آذن بالغزو، و لا أراه إلّا يريدكم، و قد أحببت، أن يكون لي يد بكتابي إليكم.
و أتى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب، و الزّبير بن العوام- زاد أبو رافع: المقداد بن الأسود و في رواية عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي: أبا مرثد، بدل المقداد،
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «أدرك امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم»، و لفظ أبي رافع «انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب» فخرجوا [١]- و في لفظ: فخرجا، حتّى إذا كان بالخليقة، خليقة بني أحمد
و قال ابن عقبة: أدركاها ببطن ريم، فاستنزلاها فالتمساه في رحلها، فلم يجدا شيئا، فقال لها علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه-: إني أحلف باللّه ما كذب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ما كذبنا، و لتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك، فلما رأت الجدّ، قالت: أعرضا. فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتى به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فدعا حاطبا، فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول اللّه. إني و اللّه لمؤمن باللّه و رسوله، ما غيّرت، و لا بدّلت، و لكني كنت امرء ليس لي في القوم من أصل و لا عشيرة، و كان لي بين أظهرهم ولد و أهل، فصانعتهم عليهم.
و لفظ أبي رافع- فقال: يا رسول اللّه لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرء ملصقا في قريش، و لم أكن من أنفسهم، و كان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون أموالهم بها و أهليهم بمكة، و لم يكن لي قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك من بينهم أن أتّخذ فيهم يدا أحمي بها قرابتي، و ما فعلت ذلك كفرا بعد إسلام. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- «إنّه قد صدقكم». فقال عمر لحاطب: قاتلك اللّه!! ترى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يأخذ بالأنقاب و تكتب إلى قريش تحذرهم؟
دعني يا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-: «ما
[١] أخرجه البخاري ٦/ (٣٠٠٧) (٤٨٩٠) و مسلم ص (٣/ ١٩٤١) حديث (١٦١) و أبو داود في الجهاد و أحمد ١/ ٧٩ و الترمذي في تفسير سورة الممتحنة و البيهقي في الدلائل ٥/ ١٦.