سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٨ - تنبيهات
بريء من مسلم بين المشركين» و هو قول الحنفية، و عند الشّافعية ضابط جواز الرّد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب الثاني و الثلاثون: قال النّوويّ- (رحمه اللّه)- وافق النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في ردّ من جاء من المشركين في ترك كتابته بسم اللّه الرحمن الرحيم و كتب باسمك اللّهم، و في ترك كتابة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و في ردّ من جاء منهم إلى المسلمين دون من جاء من المسلمين إليهم و إنما وافقهم في هذه الأمور للمصلحة المهمة الحاصلة بالصلح مع أنه لا مفسدة في هذه الأمور، أما البسملة و باسمك اللهم فمعناها واحد، و كذلك قوله: «محمد بن عبد اللّه» هو أيضا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ليس في ترك وصف اللّه تعالى في هذا الموضع بالرحمن الرحيم ما ينفى ذلك و لا في ترك وصفه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- هنا بالرسالة لا ينفيها، و لا مفسدة فيما طلبوه، و إنما كانت المفسدة تكون لو طلبوا أن يكتبوا ما لا يحلّ من تعظيم آلهتهم و نحو ذلك، و إنما شرط ردّ من جاءنا منهم و منع من ذهب إليهم فقد بيّن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلم)- في هذا الحديث الحكمة فيه بقوله:
«من ذهب منّا إليهم فأبعده اللّه، و من جاءنا منهم سيجعل اللّه له فرجا و مخرجا». ثم كان كما قال- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فجعل اللّه للذين جاءونا منهم و ردّهم إليهم فرجا و مخرجا. ثم كان كما قال- (صلّى اللّه عليه و سلم).
الثالث و الثلاثون: في إتيان عمر أبا بكر رضي اللّه عنهما و إجابة أبي بكر لعمر بمثل ما أجاب به رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- دلالة على أنه أكمل الصحابة و أعرفهم بأحوال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و أعلمهم بأمور الدّين و أشدهم موافقة لأمر اللّه- تعالى- و سبق في باب إرادة الصّديق الهجرة قبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و ردّ ابن الدغنة له، و قوله لقريش، إن مثله لا يخرج، و وصفه بنظير ما وصفت به خديجة- رضي اللّه عنها- رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- من كونه يصل الرّحم و يحمل الكلّ و يعين على نوائب الحق و غير ذلك. فلما كانت صفاتهما متشابهة من الابتداء، استمر ذلك إلى الانتهاء، و لم يذكر عمر أنّه راجع أحدا بعد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- غير أبي بكر، و ذلك لجلالة قدره و سعة علمه عنده.
الرابع و الثلاثون: قول عمر- رضي اللّه عنه- فعملت لذلك أعمالا، قال بعض الشراح- (رحمهم اللّه): أي من الذّهاب و المجيء و السؤال و الجواب، لم يكن ذلك شكّا من عمر، بل طلبا من كشف ما خفي عليه، و حثا على إذلال الكفّار، لما عرف من قوّته في نصرة الدّين.
انتهى.
قال الحافظ: و تفسير الأعمال بما ذكر مردود، بل المراد الأعمال الصالحة ليكفر عنه ما مضى من التّوقّف في الامتثال ابتداء. و قد ورد عن عمر التّصريح بمراده بقوله: «أعمالا