سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٨ - ذكر دخوله- (صلّى اللّه عليه و سلم)- مكة و إرسال طائفة من أصحابه أمامه و ارادة بعض المشركين صدهم عن دخولهم، و قتل المسلمين لهم
بالخندمة و ضوى إليهم ناس من قريش، و ناس من بني بكر، و هذيل، و لبسوا السلاح، يقسمون باللّه لا يدخلها محمد عنوة أبدا، و كان رجل من بني الدّيل يقال له جماش- بكسر الجيم و تخفيف الميم- و بالشين المعجمة- بن قيس بن خالد لمّا سمع بدخول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- جعل يصلح سلاحه، فقالت له امرأته: لمن تعدّ هذا؟ قال: لمحمد و أصحابه، قالت: و اللّه ما أرى يقوم لمحمد و أصحابه شيء. قال: و اللّه إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم فإنّك محتاجة إليه قالت: ويلك: لا تفعل، و لا تقاتل محمدا و اللّه ليضلن عنك رأيك، لو قد رأيت محمدا، و أصحابه، قال ستري ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالي علّه* * * هذا سلاح كامل و ألّه
و ذو غرارين سريع السّلّه
ثم شهد الخندمة مع صفوان، و سهيل بن عمرو، و عكرمة، فلما دخل خالد بن الوليد من حيث أمره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- وجد الجمع المذكور، فمنعوه الدّخول، و شهروا له السّلاح، و رموه بالنبّل، و قالوا: لا تدخلها عنوة، فصاح في أصحابه فقاتلهم، و قتل منهم أربعة و عشرون رجلا من قريش، و أربعة من هذيل.
و قال ابن إسحاق: أصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، و انهزموا أقبح الانهزام، حتّى قتلوا بالحزورة، و هم مولّون في كلّ وجه، و انطلقت طائفة منهم فوق رؤوس الجبال، و أتبعهم المسلمون.
قال محمد بن عمر- (رحمه اللّه تعالى)- و جعل خالد- رضي اللّه عنه- يتمثّل بهذه الأبيات:
إذا ما رسول اللّه فينا رأيته* * * كلجّة بحر نال فيها سريرها
إذا ما ارتدينا الفارسيّة فوقها* * * ردينية يهدي الأصمّ خريرها
رأينا رسول اللّه فينا محمّدا* * * لها ناصرا عزّت و عزّ نصيرها
قال ابن هشام: و كان شعار المهاجرين من أصحاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- يوم فتح مكّة و حنين و الطّائف: يا بني عبد الرحمن، و شعار الخزرج: يا بني عبد اللّه، و شعار الأوس: يا بني عبيد اللّه.
و جعل أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام يصيحان يا معشر قريش علام تقتلون أنفسكم؟! من دخل داره فهو آمن، و من وضع السّلاح فهو آمن، فجعل النّاس يقتحمون الدّور و يغلقون عليهم، و يطرحون السّلاح في الطرق حتّى يأخذه المسلمون، و رجع جماش منهزما حتى انتهى إلى بيته، فدقّه، ففتحت له امرأته، فدخل و قد ذهبت روحه، فقالت له: أين الخادم