سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢ - ذكر قتلهم و أخذ أموالهم و سبي ذراريهم
ذكر محمد بن عمر و ابن سعد، و جزم به الدّمياطي، و قيل لخمس- كما جزم به في الإشارة- خلون من ذي الحجة، و أمر بهم فأدخلوا المدينة، و أمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بالسّبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد، و النّساء و الذّرّية إلى دار رملة بنت الحارث، و يقال حبسوا جميعا في دار رملة، و أمر لهم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- بأحمال تمر فنثرت لهم، فباتوا يكدمونها كدم الحمر، و أمر بالسّلاح و الأثاث و المتاع و الثياب فحمل إلى دار ابنة الحارث و بالإبل و الغنم ترعى هناك في الشّجر، فلما أصبح رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- غدا إلى السّوق، فأمر بأخدود فخدّت في السّوق ما بين موضع دار أبي الجهم العدوي إلى أحجار الزّيت، فكان أصحابه هناك يحفرون، و جلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و معه علية أصحابه و دعا برجال بني قريظة، فكانوا يخرجون أرسالا، تضرب أعناقهم في تلك الخنادق، فقالوا لكعب بن أسد- و هم يذهب بهم إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أرسالا: يا كعب، ما ترى محمدا يصنع بنا؟ قال: ما يسوءكم، ويلكم! على كل حال لا تعقلون!! ألا ترون الدّاعي لا ينزع، و أنّه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو و اللّه السّيف، قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم عليّ قالوا: ليس هذا بحين عتاب، لو لا أنّا كرهنا أن نزرى برأيك ما دخلنا في نقض العهد الّذي كان بيننا و بين محمّد، قال حيّ بن أخطب: اتركوا ما ترون من التّلاوم، فإنه لا يردّ عنكم شيئا، و اصبروا للسيف، و كان الذين يلون قتلهم عليّ ابن أبي طالب و الزبير بن العوام و جاء سعد بن عبادة و الحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول اللّه، إن الأوس قد كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم، فقال سعد بن معاذ: ما كرهه من الأوس أحد فيه خير، فمن كرهه فلا أرضاه اللّه. فقام أسيد بن الحضير- رضي اللّه عنه- فقال: يا رسول اللّه: لا تبقين دارا من دور الأوس إلّا فرّقتهم فيها، فمن سخط فلا يرغم اللّه إلّا أنفه، فابعث إلى داري أوّل دورهم، ففرّقهم في دور الأوس فقتلوهم، ثمّ أتي بحييّ بن أخطب [١] مجموعة يداه إلى عنقه، عليه حلّة شقحيّة.
و قال ابن إسحاق: فقاحيّة قد لبسها للقتل، ثمّ عمد إليها فشّقها أنملة أنملة لئلّا يسلبه أيّاها أحد. فقال له رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- حين طلع: «ألم يمكّن اللّه منك يا عدوّ اللّه: قال بلى و اللّه، أما و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك، و لقد التمست العزّ في مكانه فأبى اللّه إلّا أن يمكنك. و لقد قلقلت كل مقلقل، و لكنه من يخذل اللّه يخذل. ثم أقبل على النّاس فقال: أيّها النّاس، لا بأس بأمر اللّه، قدر و كتاب و ملحمة كتبت على بني إسرائيل! ثمّ جلس فضربت عنقه، و أتي بنبّاش بن قيس و قد جابذ الذي جاء به حتّى قاتله فدقّ الذي جاء به أنفه فأرعفه.
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- للذي جاء به «لم صنعت هذا به. أما كان في السّيف كفاية؟» فقال: يا
[١] حيي بن أخطب النضري: جاهلي. من الأشداء العتاة. كان ينعت بسيد الحاضر و البادي. أدرك الإسلام و آذى المسلمين. فأسروه يوم قريظة. ثم قتلوه. توفي سنة ٥ ه، الأعلام ٢/ ٢٩٢.