سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠ - ذكر نزول بني قريظة على حكم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ورده الأمر إلى سعد بن معاذ- رضي اللّه عنه
وجد في حصونهم من الحلقة و الأثاث و الثّياب، و وجدوا فيها ألفا و خمسمائة سيف و ثلاثمائة درع، و ألفي رمح، و ألفا و خمسمائة ترس و حجفة [١] و أثاثا كثيرا، و آنية كثيرة، و خمرا، و جرارا، و سكرا فهريق ذلك كله. و لم يخمّسه و وجد من الجمال النّواضح عدّة، و من الماشية شيئا كثيرا، فجمع هذا كله.
و تنحّى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و جلس و تواثبت الأوس إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- فقالوا: يا رسول اللّه حلفاؤنا دون الخزرج، و قد رأيت ما صنعت ببني قينقاع بالأمس حلفاء ابن أبيّ وهبت له ثلاثمائة حاسر، و أربعمائة دارع. و قد ندم حلفاؤنا على ما كان من نقضهم العهد فهبهم لنا، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- ساكت لا يتكلّم حتّى أكثروا عليه و ألحّوا و نطقت الأوس كلّها،
فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم): «أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم»؟ قالوا:
بلى. قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»
[٢].
و قال ابن عقبة: فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم): «اختاروا من شئتم من أصحابي»
فاختاروا سعد بن معاذ، فرضي بذلك رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- و سعد يومئذ في المسجد بالمدينة، في خيمة كعيبة بنت سعيد- بالتّصغير فيهما- الأسلميّة، و كانت تداوي الجرحى و تلّمّ الشّعث، و تقوم على الضّائع الّذي لا أحد له، و كان لها خيمة في المسجد، و كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- جعل سعد بن معاذ فيها ليعوده من قريب فلمّا جعل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- الحكم إلى سعد خرجت الأوس حتّى جاءوه فحملوه على حمار بأعرابي بشندة من ليف و على الحمار قطيفة فوق الشّندة، و خطامه من ليف، و كان رجلا جسيما، فخرجوا حوله يقولون: يا أبا عمرو، إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- قد ولّاك أمر مواليك لتحسن فيهم، فأحسن فقد رأيت ابن أبيّ و ما صنع في حلفائه، و أكثروا من هذا و شبهه، و هو لا يتكلم، حتّى إذا أكثروا عليه قال سعد: قد آن لسعد ألّا تأخذه في اللّه لومة لائم، فقال الضّحّاك بن خليفة بن ثعلبة بن عديّ بن كعب بن عبد الأشهل الأنصاري: وا قوماه! و قال غيره منهم نحو ذلك ثمّ رجع الضّحّاك إلى الأوس فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته الّتي سمع منه، و أقبل سعد إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم) و النّاس حول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جلوس، فلمّا طلع سعد بن معاذ-
و في الصّحيحين- فلمّا دنا من المسجد: أي الذي كان فيه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)- أعدّه ببني قريظة أيام حصارهم- للصلاة، قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم): «قوموا إلى سيّدكم» و في لفظ «خيركم»
فأمّا المهاجرون من قريش فإنّما يقولون: إنّما أراد الأنصار، و أمّا الأنصار فيقولون: قد عمّم بها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلم)-
[١] الحجفة: الترس من جلود بلا خشب و لا رباط من عصب، انظر المعجم الوسيط ١/ ١٥٨.
[٢] أخرجه البخاري ٧/ ٤٧٥ (٤١٢١).