سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨٣ - الباب الرابع في تقدّم أخذ الميثاق عليه، زاده اللّه تعالى شرفا و فضلا لديه
الباب الرابع في تقدّم أخذ الميثاق عليه، زاده اللّه تعالى شرفا و فضلا لديه
روى ابن سعد [١] عن الشّعبي [٢] مرسلا قال: قال رجل: يا رسول اللّه متى استنبئت؟
قال: «و آدم بين الرّوح و الجسد حين أخذ منّي الميثاق»
[٣].
و روى أبو سهل القطّان [٤] في أماليه، عن سهل بن صالح الهمذانيّ، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي: كيف صار محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) يتقدم الأنبياء و هو آخر من بعث؟ قال: إن اللّه لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرّيّاتهم و أشهدهم على أنفسهم: أ لست بربكم، كان محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) أول من قال بلى. و لذلك صار يتقدم الأنبياء و هو آخر من بعث.
قال الحافظ ابن رجب في اللّطائف: و خبر الشعبي يدل على أنه من حين صوّر آدم طينا استخرج و أخذ منه (صلّى اللّه عليه و سلم) و نبئ و أخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى يخرج وقت خروجه الذي قد رأيت خروجه فيه، فهو أولهم خلقا، و آخرهم بعثا، و هو آخر النبيّين باعتبار أن زمانه تأخّر عنهم.
لا يقال: خلق آدم قبله، لأن آدم كان حينئذ هواء لا روح فيه، و محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) كان حيّا حين استخرج و نبّئ و أخذ منه الميثاق، و لا يقال إن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه، كما دلّ عليه أكثر الأحاديث و الذي تقرر أنه استخرج و نبّئ قبل نفخ الروح في آدم، لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خصّ باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدا (صلّى اللّه عليه و سلم) هو المقصود من خلق النوع الإنسانيّ، و هو عينه و خلاصته. و يستدل بخبر الشّعبي و غيره مما تقدم في الباب السابق على أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) ولد نبيّا، فإنّ نبوّته وجبت له حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم فكان نبيّا حينئذ، لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، و ذلك لا يمنع كونه
[١] محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم أبو عبد اللّه البصري، كاتب الواقدي، و نزيل بغداد، و صاحب الطبقات، و أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحرّين. عن الوليد بن مسلم و هشيم و معن بن عيسى و ابن عليّة و خلق. و عنه (د) و ابن أبي الدنيا و أحمد بن يحيى البلاذري. قال الخطيب: كان من أهل العلم و الفهم و العدالة، و حديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من روايته. قال ابن قهم: توفي ببغداد سنة ثلاثين و مائتين. الخلاصة ٢/ ٤٠٦.
[٢] عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة و له نحو من ثمانين. التقريب ١/ ٣٨٧.
[٣] أخرجه ابن سعد ١/ ١١٨.
[٤] أبو سهل القطان، الإمام المحدث الثقة، مسند العراق، أبو سهل، أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن زياد بن عباد، القطان البغدادي. قال الخطيب: كان صدوقا أديبا شاعرا، توفي في شعبان سنة خمسين و ثلاثمائة و كان مولده في سنة تسع و خمسين و مائتين. انظر سير أعلام النبلاء ١٥/ ٥٢١- ٥٢٢.