سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٨١ - تنبيهان
الثاني: قال الإمام العلّامة الحافظ شيخ الإسلام تقيّ الدّين السّبكيّ (قدّس اللّه تعالى روحه): لم يصب من فسرّ قوله (صلّى اللّه عليه و سلم):
«كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد»
[بأنه] سيصير نبيّا، لأن علم اللّه تعالى محيط بجميع الأشياء، و وصف النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بالنبوة في ذلك الوقت ينبغي أن يفهم منه أنه أمر ثابت له في ذلك الوقت، و لو كان المراد بذلك مجرد العلم بما سيصير إليه في المستقبل لم تكن له خصوصية بأنه نبيّ و آدم بين الروح و الجسد، لأن جميع الأنبياء يعلم اللّه نبوتهم في ذلك الوقت و قبله، فلا بد من خصوصية للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) لأجلها أخبر أمته الخبر إعلاما لأمته، ليعرفوا قدره عند اللّه تعالى ثم قال: فإن قلت: النبوة وصف لازم أن يكون الموصوف به موجودا، و إنما يكون بعد بلوغ أربعين سنة، فكيف يوصف به قبل وجوده و قبل إرساله و إن صح ذلك فغيره كذلك؟.
قلت: قد جاء أن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد، فقد تكون الإشارة بقوله:
«كنت نبيّا»
إلى روحه الشريفة أو إلى حقيقة من الحقائق، و الحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها و إنما يعلمها خالقها و من أمدّه اللّه تعالى بنور إلهي، ثم إن تلك الحقائق يؤتي اللّه تعالى كل حقيقة منها ما يشاء في الوقت الذي يشاء، فحقيقة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قد تكون من قبل خلق آدم آتاها اللّه ذلك الوصف بأن يكون خلقها، مهيّأة لذلك فأفاضه عليه من ذلك الوقت فصار نبيّا و كتب اسمه على العرش و أخبر عنه بالرسالة ليعلم ملائكته و غيرهم كرامته عنده، فحقيقته موجودة في ذلك الوقت و إن تأخّر جسده الشريف المتّصف بها.
و اتصاف حقيقته بالأوصاف الشريفة المضافة عليه من الحضرة الإلهية إنما يتأخر البعث و التبليغ و كل ما له من جهة اللّه تعالى و من جهة تأهل ذاته الشريفة (صلّى اللّه عليه و سلم) و حقيقته معجّل لا تأخّر فيه، و كذا استنباؤه و ايتاؤه الحكم و النبوة، و إنما المتأخّر تكوّنه و تنقّله إلى أن ظهر (صلّى اللّه عليه و سلم). انتهى ملخصا.
و أثر كعب السابق أول الباب الأول يؤيد ما قاله.
و قال بعض العارفين: لمّا خلق اللّه الأرواح المدبّرة للأجسام عند وجود حركة الفلك أول ما خلق اللّه الزمان بحركة، كان أول ما خلق روح محمد (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم صدرت الأرواح عن الحركات الفلكية [١] فكان لها وجود في عالم الغيب دون عالم الشهادة، و أعلمه بالنبوة و آدم
[ (-)] الأذرعي و تخرج بمغلطاي في الحديث، و سمع الحديث بدمشق و غيرها. قال بعض المؤرخين: كان فقيها أصوليا، أديبا، و ولي مشيخة خانقاه كريم الدين بالقرافة الصغرى، توفي في رجب سنة أربع و تسعين و سبعمائة. انظر ابن قاضي شهبة ٣/ ١٦٧، ١٦٨.
[١] هذا الكلام لا دليل عليه و هذه مجرد دعوى جاء العلم ببطلانها.