سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٧٦ - الباب الأول في مراضعه (صلّى اللّه عليه و سلم)
فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشرّ حيبة فقال له: ما ذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم. زاد عبد الرزاق: راحة. و لفظ الإسماعيلي: لم ألق بعد رخاء.
و حذف المفعول في جميع روايات البخاري. «غير أني سقيت في هذه» زاد عبد الرزاق- و أشار إلى النقرة التي تحت إبهامه بعتاقتي ثويبة.
و ذكر السهيلي و غيره أن الرائي له أخوه العباس، و كان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر: أن أبا لهب قال للعباس، إنه ليخفّف عليّ في يوم الاثنين. قالوا: لأنه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أعتقها من ساعته، فجوزي بذلك لذلك.
قال في الغرر: و اختلفوا متى أعتقها. فقيل: أعتقها حين بشّرته بولادة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و هو الصحيح. و قيل إن خديجة سألت أبا لهب في أن تبتاعها منه ليعتقها فلم يفعل. فلما هاجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة أعتقها أبو لهب. و هو ضعيف. انتهى.
و قال الحافظ: و استدل بهذا على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، و هو مردود بظاهر قوله تعالى: وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً لا سيما و الخبر مرسل أرسله عروة و لم يذكر من حدّثه به. و على تقدير أن يكون موصولا فلا يحتجّ به.
إذ هو رؤيا منام لا يثبت به حكم شرعي، لكن يحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مخصوصا من ذلك، بدليل التخفيف عن أبي طالب المروي في الصحيح.
قلت: و على هذا الاحتمال جرى جمع كما سبق، نقل ذلك عنهم. قال البيهقي: ما ورد من بطلان الخير للكفار فمعناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار و لا دخول الجنة، و يجوز أن يخفّف عنهم من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر، بما عملوه من الخيرات.
و أما عياض (رحمه اللّه تعالى) فقال: انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم و لا يثابون عليها بنعيم و لا تخفيف عذاب، و إن كان بعضهم أشدّ عذابا من بعض، قال الحافظ:
و هذا لا يردّ الاحتمال الذي ذكره البيهقي، فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر، و أما ذنب غير الكفر فما المانع من تخفيفه.
و قال القرطبي (رحمه اللّه تعالى): هذا التخفيف خاص بهذا أو بمن ورد النصّ فيه.
و قال ابن المنيّر [١] (رحمه اللّه تعالى) في الخامسة: هما قضيتان إحداهما محال، و هي
[١] أحمد بن محمد بن منصور: من علماء الإسكندرية و أدبائها. ولي قضاءها و خطابتها مرّتين. له تصانيف، منها «تفسير» و «ديوان خطب» و «تفسير حديث الإسراء» على طريقة المتكلمين. و «الانتصاف من الكشاف» و له نظم. توفي سنة ٦٨٣ ه. انظر الأعلام ١/ ٢٢٠، و فوات الوفيات ١/ ٧٢.