سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٠ - تفسير الغريب
أشبهها من المال لمضر. و هذا الخباء الأسود و ما أشبهه لربيعة. و هذه الخادم و كانت شمطاء و ما أشبهها لإياد. و هذه البدرة و المجلس لأنمار يجلس فيه و قال البلاذري (رحمه اللّه تعالى) إنه أوصى له بحمار و في ذلك قال الشاعر:
نزار كان أعلم إذ تولى* * * لأيّ بنيه أوصى بالحمار
و قال لهم: إذا أشكل عليكم الأمر في ذلك و اختلفتم في القسمة فعليكم بالأفعى الجرهمي، و كان بنجران.
فلما مات نزار اختلفوا و أشكل عليهم أمر القسمة فتوجهوا إلى الأفعى، فبينما هم في مسيرهم إليه إذ رأى مضر كلأ قد رعى فقال: إنّ البعير الذي رعى هذا لأعور. فقال ربيعة: و هو أزور. و قال إياد: و هو أبتر. و قال أنمار و هو شرود. فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل توضع به راحلته فسألهم عن البعير فقال مضر: أهو أعور؟ قال: نعم. قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم.
قال إياد: أهو أبتر؟ قال: نعم. قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم هذه و اللّه صفة بعيري دلّوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه. فلزمهم و قال كيف أفارقكم و أنتم تصفون بعيري بصفته؟ فساروا و سار معهم حتى قدموا نجران فنزلوا بالأفعى الجرهمي، فحاكمهم صاحب الجمل إلى الأفعى و قال:
بعيري وصفوا لي صفته ثم قالوا لم نره.
فقال لهم الأفعى: كيف وصفتموه و لم تروه؟ فقال له مضر: رأيته يرعى جانبا و يترك جانبا فعرفت أنه أعور. و قال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة و الأخرى فاسدة الأثر فعلمت أنه أفسدها بشدة وطئه و طلبه لازوراره و قال إياد: عرفت بتره باجتماع بعره و لو كان ذيّالا لمصع به. و قال أنمار: عرفت أنه شرود بأنه كان يرعى في المكان الملتفّ نبته ثم يجوزه إلى مكان أرقّ منه و أخبث. و حلفوا أنهم ما رأوه. فقال الأفعى: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه.
ثم سألهم من أنتم؟ فأخبروه فرحّب و قال: تحتاجون إليّ و أنتم في جزالتكم و صحة عقولكم و آرائكم على ما أرى؟!.
ثم خرج عنهم و أرسل إليهم بطعام فأكلوا و بشراب فشربوا فقال مضر: لم أر خمرا أجود منها لو لا أنها نبتت على قبر. و قال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب لو لا أنه ربي بلبن كلب و قال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى لو لا أنه ليس لأبيه الذي يدعى له. و قال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا. و سمع الأفعى كلامهم فقال: ما هؤلاء الشياطين، ثم أتى أمّه فسألها فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلا نزل بنا فجئت أنت منه. و قال للقهرماني: الخمر الذي شربنا ما أمرها؟ قال: من حبلة غرستها على قبر أبيك. و سأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعناها من لبن كلبة و لم يكن في الغنم غيرها.