سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٦ - تفسير الغريب
في ذلك لبعد الزمان و عدم المشاهدة و مخالفة الأحاديث السابقة في طهارة نسبه (صلّى اللّه عليه و سلم).
على أن الزمخشري جزم بأن الاستثناء في الآية إنما سيق للمبالغة في التحريم و سدّ الطرق إلى الإباحة لأن المعنى إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه. فإنه لا يحل لكم غيره، من قبل أنه علّق نقيض المدّعى و هو إثبات الحل بالمحال و هو نكاح ما سلف، فيكون محالا، و حينئذ فعدم الحلّ متحقق إذ ذاك، لا سيّما و قد أخبر عنه بأنه كان فاحشة و مقتا و ساء سبيلا، بخلاف الجمع بين الأختين فإنه مع ذكر الاستثناء فيه أيضا وقع مقترنا بما يدل على أن ما وقع منه قبل كان مغفورا حيث عقّب بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. و هذا كما في قوله:
و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم* * * بهنّ فلول من قراع الكتائب
فأكد المدح بما يشبه الذم، لأن المعنى إن كان فلول السيف عيبا فهو عيب، و ليست بعيب لأنها من كمال الشجاعة فإثبات العيب على هذا التقدير تعليق بمحال، كما في قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ و على هذا جرى الإمام الطيبي [١] (رحمه اللّه تعالى) و بسط الكلام عليه، و اللّه تعالى أعلم.
ابن كنانة كنانة: بكسر الكاف و نونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم و سكون العين المهملة، سمي بذلك لأنه كان سترا على قومه كالكنانة الساترة للسهام. قال الزجاجي من أمثالهم: «قبل الرّماء تملأ الكنائن». و يكنى أبا النضر و أمه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. و يقال هند بنت عمرو بن قيس بن عيلان. و قال أبو الحسن سلّام بن عبد اللّه بن سلّام الإشبيلي. قال أبو عمرو (رحمه اللّه تعالى): قال عامر العدواني لابنه في وصيته: يا بني أدركت كنانة بن خزيمة و كان شيخا مسنّا عظيم القدر، و كانت العرب تحجّ إليه لعلمه و فضله، فقال: إنه قد آن خروج نبيّ من مكة يدعى أحمد، يدعو إلى اللّه و إلى البرّ و الإحسان و مكارم الأخلاق، فاتّبعوه تزدادوا شرفا و عزّا إلى عزكم.
قال أبو الربيع (رحمه اللّه تعالى): إن كنانة رأى و هو نائم في الحجر فقيل له: تخيّر يا أبا
[١] الحسين بن محمد بن عبد اللّه، شرف الدين الطيبي: من علماء الحديث و التفسير و البيان. من أهل توريز، من عراق العجم. كانت له ثروة طائلة من الإرث و التجارة، فأنفقها في وجوه الخير، حتى افتقر في آخر عمره. و كان شديد الردّ على المبتدعة، ملازما لتعليم الطلبة و الإنفاق على ذوي الحاجة منهم، آية في استخراج الدقائق من الكتاب و السنة، متواضعا، ضعيف البصر. من كتبه «التبيان في المعاني و البيان» و «الخلاصة في معرفة الحديث» و «شرح الكشاف» سماه «فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب». توفي سنة ٧٤٣ ه. انظر الأعلام ٢/ ٢٥٦.