سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٦ - تفسير الغريب
ساجد إلى ساجد قال: و بهذا التقدير فالآية دالّة على أن جميع آباء محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) كانوا مسلمين، و حينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنما ذاك عمّه، أقصى ما في الباب أن يحمل قوله: «و تقلّبك في الساجدين» على وجوه أخرى، و إذا وردت الروايات بالكل و لا منافاة بينها وجب حمل الآية على الكل، و متى صحّ ذلك ثبت أن والد إبراهيم ما كان من عبدة الأوثان.
قال: و مما يدل على أن آباء محمد (صلّى اللّه عليه و سلم). ما كانوا مشركين
قوله (عليه الصلاة و السلام):
«لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات»
و قال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فوجب أن لا يكون أحد من أجداده (صلّى اللّه عليه و سلم) مشركا. انتهى كلام الإمام فخر الدين.
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): و قد وجدت له أدلة قوية ما بين عامّ و خاص. فالعام مركّب من مقدمتين: إحداهما: أنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن كل جد من أجداده (صلّى اللّه عليه و سلم) خير أهل قرنه لحديث البخاري: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه» و تقدمت أحاديث كثيرة في هذا المعنى في باب فضل العرب و في باب طهارة أصله (صلّى اللّه عليه و سلم).
الثانية: أنه قد ثبت أن الأرض لم تخل من سبعة مسلمين فصاعدا يدفع اللّه تعالى بهم عن أهل الأرض. فروى عبد الرزّاق في المصنف و ابن المنذر في التفسير بسند صحيح على شرط الشيخين عن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه قال: «لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدا فلو لا ذلك هلكت الأرض و من عليها».
و روى الإمام أحمد في الزهد و الخلّال في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرطهما، عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع اللّه تعالى بهم عن أهل الأرض.
و إذا قرنت بين هاتين المقدمتين أنتج ما قاله الإمام. لأنه إن كان كل جد من أجداده (صلّى اللّه عليه و سلم) من جملة السبعة المذكورين في زمانه فهو المدّعى. و إن كان غيرهم لزم أحد أمرين: إما أن يكون غيرهم خيرا منهم، و هو باطل لمخالفته الحديث الصحيح، و إما أن يكونوا خيرا منه و هم على الشّرك و هو باطل بالإجماع، و في التنزيل: وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ فثبت أنهم على التوحيد ليكونوا خير أهل الأرض كلّ في زمانه.
و أما الخاص فروى ابن سعد في الطبقات عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال: «ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام».
و روى ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البزّار في مسنده و الحاكم و صححه، عن ابن عباس