سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٩ - تفسير الغريب
قال الشيخ (رحمه اللّه تعالى): و نحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة.
ثم رأيت طريقا أخرى للحديث مثل لفظ رواية معمر و أزيد وضوحا. و ذلك أنه قد صرّح فيه بأن السائل أراد أن يسأل عن أبيه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فعدل عن ذلك تجمّلا و تأدبا.
فروى الحاكم في المستدرك و صححه عن لقيط بن عامر [١] رضي اللّه عنه أنه قال: يا رسول اللّه هل أحد ممن مضى منا في جاهليته في خير؟ فقال رجل من عرض قريش: إن أباك المنتفق في النار. فكأنه وقع حرّ بين جلد وجهي و لحمي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: و أبوك يا رسول اللّه؟ ثم نظرت فإذا الأخرى أجمل، فقلت: و أهلك يا رسول اللّه؟ فقال: «ما أتيت عليه من قبر قرشيّ و لا عامريّ مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشّرك بما يسوؤك».
هذه الرواية لا إشكال فيها، و هي أوضح الروايات و أبينها.
ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بالأدلة الآتية في المسلك الأول و الحديث إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله و تقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرّر في الأصول.
تتمة: ثبت في الحديث الصحيح أن أهون أهل النار عذابا أبو طالب، و أنه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، و هذا مما يدل على أن أبوي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ليسا في النار. لأنهما لو كانا فيها لكانا أهون عذابا من أبي طالب، لأنهما أقرب منه مكانا، و أبسط عذرا، فإنهما لم يدركا البعثة و لا عرض عليهما الإسلام فامتنعا. بخلاف أبي طالب، و قد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابا. فليس أبواه من أهلها. و هذا يسمّى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.
تنبيه: أجاب جماعة عن الأحاديث الواردة في عدم نجاة الأبوين بأنها وردت قبل ورود الآيات و الأحاديث الآتية في المسلك الأول. كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنهم في النار. و قالوا: الناسخ لأحاديث الأطفال قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. و إذا علم ما تقرر فللعلماء رضي اللّه تعالى عنهم في والدي المصطفى (صلّى اللّه عليه و سلم) مسالك:
الأول: أنهما لم تبلغهما دعوة أحد و ذلك لمجموع أمور: تأخر زمانهما و بعد ما بين
[١] لقيط بن عامر بن صبرة بكسر الموحدة، و هو لقيط بن صبرة و لقيط بن المنتفق بضم الميم و إسكان النون و فتح المثناة فوق و كسر الفاء آخره قاف، ابن عامر بن عقيل بن كعب العقيلي أبو رزين، صحابي له أربعة و عشرون حديثا. و عنه ابنه عاصم و ابن أخيه وكيع بن حدس. الخلاصة ٢/ ٣٧٢.