سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥١ - تفسير الغريب
ثم اختلفت عبارة الأصحاب فيمن لم تبلغه الدعوة، و أحسنها من قال: إنه ناج. و إياها اختار السّبكي (رحمه اللّه تعالى).
و منهم من قال: على الفطرة. و منهم من قال: مسلم.
قال الغزاليّ (رحمه اللّه تعالى): التحقيق أن يقال: في معنى المسلم.
و قد مشى على هذا المسلك في والدي سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قوم من العلماء فصرّحوا بأنهما لم تبلغهما الدعوة. حكاه عنهم سبط ابن الجوزي (رحمه اللّه تعالى) في «مرآة الزمان» و مشى عليه الإمام الآبيّ في شرح مسلم.
و كان شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناويّ يعوّل عليه و يجيب به إذا سئل عنهما.
و قد ورد في أهل الفترة أحاديث كثيرة أنهم موقوفون إلى أن يمتحنوا يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة و من عصى دخل النار. و المصحّح منها ثلاثة: الأول،
حديث الأسود ابن سريع رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: «أربعة يحتجّون يوم القيامة: رجل أصمّ لا يسمع شيئا، و رجل أحمق، و رجل هرم: و رجل مات في الفترة. فأما الأصمّ فيقول: رب لقد جاء الإسلام و ما أسمع شيئا. و أما الأحمق فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام و الصبيان يحذفونني بالبعر. و أما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام و ما أعقل شيئا. و أما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار. فمن دخلها كانت عليه بردا و سلاما، و من لم يدخلها فيسحب إليها».
الثاني: حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه موقوفا، مثل حديث الأسود بن سريع [١].
رواهما الإمام أحمد و إسحاق في مسنديهما و البيهقي في كتاب الاعتقاد، و إسنادهما صحيح.
و رواه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق آخر عنه.
الثالث:
حديث ثوبان رضي اللّه تعالى عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا و لم يأتنا لك أمر، و لو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك.
فيقول لهم ربهم: أ رأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيّظا و زفيرا فيرجعون إلى ربهم فيقولون: ربنا أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول: اعمدوا إليها. فينطلقون حتى إذا رأوها
[١] الأسود بن سريع التّميمي المنقري أبو عبد اللّه صحابي نزل البصرة له ثمانية أحاديث و غزا مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أربع غزوات.
و كان شاعرا محسنا فصيحا لسنا، و هو أول من قضى بالبصرة. روى عنه الأحنف بن قيس و الحسن و عبد الرحمن بن أبي بكرة و لا يصح سماعهما منه. قال ابن مندة: مات سنة اثنتين و أربعين. الخلاصة ١/ ٩٥.