سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - الباب الثالث في سرد أسماء آبائه إلى آدم (صلّى اللّه عليه و سلم)
و رام استراق السّمع جنّ فزيّلت [١]* * * مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له* * * لطول العمى عن موضحات المذاهب
و جاء بآيات تبيّن أنّها* * * دلائل جبّار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حتّى تعمّمت* * * شعوب الضّيا منه رؤوس الأخاشب
و منها نبوع الماء بين بنانه* * * و قد عدم الورّاد قرب المشارب
فروّى بها جمّا [٢] غفيرا و أسهلت* * * بأعناقه طوعا أكفّ المذانب [٣]
و بئر طغت بالماء من مسّ سهمه* * * و من قبل لم تسمح بمذقة شارب
و ضرع مراه [٤] فاستدرّ و لم يكن* * * به درّة تصغي إلى كفّ حالب
و نطق فصيح من ذراع مبينة* * * لكيد عدوّ للعداوة ناصب
و إخباره بالأمر من قبل كونه* * * و عند مباديه بما في العواقب
و من تلكم الآيات وحي أتى به* * * قريب المآتي مستجم [٥] العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم تطع* * * بليغا و لم يخطر على قلب خاطب
حوى كلّ علم و احتوى كلّ حكمة* * * و فات مرام المستمرّ الموارب
أتانا به لا عن رويّة مرتئ* * * و لا صحف مشتمل و لا وصف كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل* * * و إفتاء مستفت و وعظ مخاطب
و إتيان برهان و فرض شرائع* * * و قصّ أحاديث و نصب مآدب
و تصريف أمثال و تثبيت حجّة* * * و تعريف ذي جحد و توقيف كاذب
و في مجمع النادي و في حومة الوغى [٦]* * * و عند حديث المعضلات الغرائب
فيأتي على ما شئت من طرقاته* * * كريم المعاني مستدرّ الصّوائب
و صدّق منه البعض بعضا كأنّما* * * يلاحظ معناه بعين المراقب
و عجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما* * * وصفناه معلوم بطول التّجارب
[١] قال القتيبيّ في تفسير قوله تعالى: فَزَيَّلْنا: أي فرقنا، و هو في البيت بزنة فعلت للفعل زيل: زلت الشيء من مكانه أزيله زيلا: لغة في أزلته اللسان ٢/ ١٩٠١.
[٢] الجماء الغفير: جماعة الناس و جاء واجما غفيرا، و جماء الغفير و الجماء الغفير أي بجماعتهم اللسان ١/ ٦٨٨، و الوسيط ١/ ١٣٧.
[٣] قال ابن الأعرابي: المذنب الذنب الطويل و قال الجوهري: و المذنب مسيل الماء في الحضيض و المذنبة المذنب، المغرفة لأن لها ذنبا أو شبه الذنب و الجمع مذانب، انظر اللسان ٢/ ١٥١٩، ١٥٢٠، و المعجم الوسيط ١/ ٣١٦.
[٤] انظر الوسيط ٢/ ٨٦٥.
[٥] جمم: الجمّ و الجمم: الكثير من كل شيء، و ما لجم: كثير اللسان. ١/ ٦٨٦، و الوسيط ١/ ١٣٧.
[٦] الوغى: الصوت، و قيل: الوغى الأصوات في الحرب مثل الوغى ثم كثر ذلك حتى سموا الحرب وغى، اللسان ٦/ ٤٨٨٠.