سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
و كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة، فضيّعوا حرمة الحرم، و استحلّوا فيه أمورا عظيمة، و نالوا ما لم يكونوا ينالون. فقام فيهم رجل منهم يقال له عمّوق فقال: يا قوم أبقوا على أنفسكم، فقد رأيتم و سمعتم من أهلك من هذه الأمم، فلا تفعلوا و تواصلوا و لا تستخفّوا بحرم اللّه تعالى و موضع بيته. فلم يقبلوا ذلك منه و تمادوا في هلكة أنفسهم.
ثم إن جرهما و قطوراء و هما أبناء عم خرجوا سيّارة من اليمن أجدبت عليهم بلادهم فساروا بذراريهم و أموالهم، فلما قدموا مكة رأوا فيها ماء معينا، و شجرا ملتفّا، و بناء كثيرا، و سعة من المال و دفئا في الشتاء. فقالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد فأعجبهم و نزلوا به.
و كان لا يخرج من اليمن قوم إلا و عليهم ملك يقيم أمرهم، سنّة فيهم جروا عليها و اعتادوها و لو كانوا نفرا يسيرا. و كان مضاض بن عمرو [١] على قومه من جرهم، و كان على قطوراء السّميدع رجل منهم، فنزل مضاض بمن معه من جرهم على مكة بقعيقعان فما [حاز [٢]]، و نزل السّميدع بقطوراء أسفل مكة بأجياد فما حاز.
و ذهب العماليق إلى أن ينازعوهم أمرهم، فعلت أيديهم على العماليق. فأخرجوهم من الحرم كله فصاروا في أطرافه و لا يدخلونه، و كلّ على قومه لا يدخل أحدهما على صاحبه.
و كانوا قوما عربا، و كان اللسان عربيا. و كان إبراهيم يزور إسماعيل. و نظر إسماعيل إلى رعلة بنت مضاض [٣] فأعجبته، فخطبها إلى أبيها. انتهى.
هكذا في حديث أبي جهم ذكر العماليق و أن إسماعيل تزوّج منهم الأولى، و أن الثانية من جرهم، و ليس ذلك في حديث ابن عباس، بل فيه: أن الأولى و الثانية من جرهم، و نصه- بعد أن ذكر قصة زمزم: و كانت أمّ إسماعيل كذلك حتى مرّت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي و ما فيه ماء. و في لفظ: كانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة، فأرسلوا جريا أو جريّين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا و أم
[١] مضاض بن عمرو بن نفيلة الجرهمي: من ملوك العرب في الجاهلية. كان محبا للغزو، كثير المعارك، مقيما في الحجاز، تابعا لليمن. و كان قبل الميلاد بزمن بعيد. و يقال: إن إسماعيل النبيّ تزوج بنته و جميع ولد إسماعيل منها.
انظر الأعلام ٧/ ٢٤٩.
[٢] في أ: فما جاوز.
[٣] رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي: امرأة إسماعيل بن إبراهيم، و أمّ «العرب المستعربة» و هم الطبقة الثالثة بعد العرب البائدة و العرب العاربة. و إن صحت رواية من جعل قحطان من نسل إسماعيل، فتكون رعلة أم القحطانيين و العدنانيين جميعا. و في أصحاب الأنساب من يسميها «السيدة بنت مضاض» قال أبو الفداء: تزوج إسماعيل امرأة من جرهم، و رزق منها اثني عشر ولدا. و قال القلقشندي: لما نزل إسماعيل مكة، تزوج من جرهم و تعلم لغتهم. الأعلام ٣/ ٢٨.