سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤٩ - المرة الرابعة عمارة سيدنا إبراهيم و إسماعيل (صلّى اللّه عليهما و سلّم)
الحرم، و هم أول من نزل مكة و يكونون بعرفة، و كانت المياه يومئذ قليلة و كان موضع البيت قد دثر و هو ربوة حمراء مدرة، و هو يشرف على ما حوله، فقال جبريل (صلّى اللّه عليه و سلم) حين دخل من كداء، و هو الجبل الذي يطلعك على الحجون و المقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم بهذا أمرت؟
قال نعم.
فانتهى إبراهيم إلى موضع البيت فعمد إلى موضع الحجر فآوى فيه هاجر و إسماعيل و أمرها أن تتخذ فيه عريشا. انتهى.
و في حديث ابن عباس أن إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) جاء بهاجر و بابنها إسماعيل و هي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد.
قلت: و لا مخالفة بين الكلامين كما زعمه في شفاء الغرام، لاحتمال أن يكون إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) أنزلهما أولا عند الدوحة، ثم نقلهما إلى موضع الحجر، أو بالعكس و اللّه- تعالى- أعلم. و ليس بمكة أحد و ليس بها ماء فوضعهما هنالك و وضع عندهما جرابا فيه تمر و سقاء فيه ماء. ثم قفل إبراهيم.
و في حديث أبي جهم: ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى أهله بالشام. انتهى.
و ترك إسماعيل و أمّه عند البيت. فتبعته أمّ إسماعيل فأدركته بكداء، فنادته ثلاثا:
يا إبراهيم، أين تذهب و تتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه إنس و لا شيء؟ إلى من تدعنا؟
فقالت ذلك مرارا و جعل لا يلتفت إليها، فأجابها في الثالثة: إلى اللّه تعالى. قالت: اللّه أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا حسبي.
و في لفظ: رضيت تركتنا إلى كاف. ثم رجعت.
و في حديث: أبي جهم: فجعلت عريشا في موضع الحجر من سمر و ثمام، و انطلق إبراهيم (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى وقف على كداء و لا بناء و لا ظل و لا شيء يحول دون ابنه فنظر إليه فأدركه ما يدرك الوالد من الرحمة.
و في حديث ابن عباس: أنه لما توارى عنهما استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات و رفع يديه، قال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
و جعلت أم إسماعيل ترضعه و تشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السّقاء عطشت فانقطع لبنها، و عطش إسماعيل، و جعلت تنظر إليه يتلوّى. و في لفظ: يتلبط. و في لفظ يتلمّط. و في لفظ: فلما ظمئ جعل يضرب بعقبيه كأنه ينشغ للموت، فانطلقت كراهية أن