سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - تفسير الغريب
شامة، كانت له الإمامة و لكم به الزعامة إلى يوم القيامة. فقال له عبد المطلب: أيها الملك أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، و لو لا هيبة الملك و إجلاله و إعظامه لسألته من سارّه إياي كيما أزداد به سرورا. فقال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه أوقد ولد، اسمه محمد، يموت أبوه و أمه و يكفله جدّه و عمّه، ولدناه مرارا و اللّه باعثه جهارا و جاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه و يذل بهم أعداءه، و يضرب بهم الناس عن عرض و يستفتح بهم كرائم أهل الأرض، يعبد الرحمن و يدحض أو يدحر الشيطان و يخمد النيران و يكسر الأوثان. قوله فصل و حكمه عدل، و يأمر بالمعروف و يفعله و ينهى عن المنكر و يبطله.
قال له عبد المطلب: عزّ جدّك و دام ملكك و علا كعبك، فهل الملك سارّي بإفصاح فقد وضح لي بعض الإيضاح قال له سيف بن ذي يزن: و البيت ذي الحجب و العلامات على النّقب إنك لجدّه يا عبد المطلب غير كذب.
قال: فخرّ عبد المطلب ساجدا، فقال له سيف بن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك و علا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرته لك؟ قال: نعم أيها الملك إنه كان لي ابن و كنت به معجبا و عليه رفيقا و إني زوّجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة [١]، فجاءت بغلام فسمّيته محمدا مات أبوه و أمه و كفلته أنا و عمه.
فقال له سيف بن ذي يزن: إن الذي قلت كما قلت فاحتفظ من ابنك و احذر عليه اليهود فإنهم له أعداء و لن يجعل اللّه لهم عليه سبيلا و اطو ما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تتداخلهم النّفاسة من أن تكون لهم الرياسة، فينصبون له الحبائل و يبغون له الغوائل، و هم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، و لو لا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي و رجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه فإني أجد في الكتاب الناطق و العلم السابق أن بيثرب استحكام أمره و أهل نصرته و موضع قبره، و لو لا أني أقيه من الآفات و أحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنّه أمره و لأوطأت على أسنان العرب كعبه، و لكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك.
ثم دعا بالقوم و أمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد سود و عشرة إماء سود و حلّتين من حلل
[١] آمنة بنت وهب بن عبد مناف، من قريش: أم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كانت أفضل امرأة في قريش نسبا و مكانة. امتازت بالذكاء و حسن البيان. رباها عمها وهيب بن عبد مناف. و تزوجها عبد اللّه بن عبد المطلب فحملت منه بمحمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و رحل عبد اللّه بتجارة إلى غزة فلما كان في المدينة عائدا مرض فمات بها. و ولدت آمنة بعد وفاته. فكانت تخرج كل عام من مكة إلى المدينة فتزور قبره و أخوال أبيه (بني عديّ بن النجار) و تعود. فمرضت في إحدى رحلاتها هذه فتوفيت بموضع يقال له «الأبواء» بين مكة و المدينة، و لابنها من العمر ست سنين و قيل أربع. توفيت سنة ٤٥ ق. م.
الأعلام ١/ ٢٦.