سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - الباب الثامن في بعض ما ورد في الكتب القديمة من ذكر فضائله (صلّى اللّه عليه و سلم) و مناقبه العظيمة
نبيّ يبعث قد أطلّ زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، و قد جعلتهما في هذه الكوّة التي ترى و طيّنت عليهما فلا تتعرض لهما و لا تنظر فيهما حينك هذا، فإن اللّه إن يرد بك خيرا و يخرج ذلك النبي تبعته.
ثم إنّه مات فدفنّاه، فلم يكن شيء أحبّ إليّ من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوّة ثمّ استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمّد رسول اللّه خاتم الأنبياء، لا نبيّ بعده، مولده بمكة و مهاجره بطيبة، لا فظ و لا غليظ و لا سخّاب في الأسواق، و يجزي بالسيئة الحسنة، و يعفو و يصفح أمّته الحمّادون الذين يحمدون اللّه على كل حال، تذلّل ألسنتهم بالتكبير، و ينصر نبيّهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم و يأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، و تراحمهم بينهم كتراحم بني الأمّ، و هم أوّل من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
فمكثت ما شاء اللّه ثم بلغني أن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) قد خرج بمكّة، فأخذت أستثبت ثم بلغني أنه توفي و أن خليفته قد قام مقامه، و جاءتنا جنوده، فقلت: لا أدخل في هذا الدّين حتى أنظر سيرتهم و أعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك و أؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمّال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد و ما صنع اللّه لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر.
فو اللّه إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً الآية.
فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحوّل وجهي في قفاي، فما كان شيء أحبّ إلي من الصباح، فغدوت في المسلمين.
ناوأه: أي ناهضه و عاداه.
و روى ابن سعد عن سهل مولى عثمة أنه كان نصرانيّا و كان يتيما في حجر أمه و عمّه، و أنّه كان يقرأ الإنجيل قال: فأخذت مصحفا لعمي فقرأته حتى مرّ بي ورقة فأنكرت كثافتها حين مرّت بي، و مسستها بيدي و نظرت فإذا فضول الورقة ملصقة بغرا قال ففتشتها فوجدت فيها نعت محمد (صلّى اللّه عليه و سلم): أنه لا قصير و لا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء [١]، و لا يقبل الصّدقة، و يركب الحمار و البعير و يحلب الشّاة، و يلبس قميصا مرقوعا، و من فعل ذلك برئ من الكبر، و هو من ذرية إسماعيل، اسمه أحمد.
قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) جاء عمي فلما رأى الورقة
[١] يقال: احتبى بالثوب: أداره على ساقيه و ظهره و هو جالس، انظر المعجم الوسيط ١/ ١٥٤.