السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٧٠ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و طوى الأرض سائرا و السموا* * * ت العلا فوقها له إسراء
فصف الليلة التي كان للمختار* * * فيها على البراق استواء
و ترقى به إلى قاب قوسين* * * و تلك السيادة القعساء
رتب تسقط الأماني حسرى* * * دونها ما وراءهن وراء
و تلقى من ربه كلمات* * * كل علم في شمسهن هباء
زاخرات البحار يغرق في قط* * * رتها العالمون و الحكماء
أي و طوى الأرض حالة كونه (صلى اللّه عليه و سلم) سائرا عليها إلى المدينة عند الهجرة كما طويت له (صلى اللّه عليه و سلم) قبل ذلك السموات العلا لما كان له (صلى اللّه عليه و سلم) فوقها إسراء: أي ليلة الإسراء إلى أن جاوزها جميعها في أسرع وقت، فصف تلك الليلة التي كان للمختار فيها على البراق استواء و استقرار، و صعد به ذلك البراق إلى مقدار قاب قوسين، و تلك الرتبة التي وصل إليها (صلى اللّه عليه و سلم) هي السعادة الثابتة التي لا يعتريها نقص و لا زوال، و هذه رتب تسقط دونها الأماني حسرى ذات إعياء و تعب ما قدامهن قدام، أي ليس بعدها من رتبة ينالها أحد غيره (صلى اللّه عليه و سلم)، و تلقى من ربه كلمات ما عداها بالنسبة إليها كالهباء، و هو ما يرى في ضوء الشمس، و بث سبحانه و تعالى إليه علوما لا يدرك العلماء و الحكماء شذرة منها؛ و كونه (صلى اللّه عليه و سلم) صعد السموات على البراق يوافقه ما في حياة الحيوان.
إن قيل: لم عرج بالنبي (صلى اللّه عليه و سلم) إلى السماء على البراق؛ و لم ينزل عند منصرفه عليه. فالجواب أنه عرج به إلى دار الكرامة و لم ينزل به عليه إظهارا لقدرة اللّه تعالى، هذا كلامه فليتأمل.
و تقدم عن الحافظ ابن كثير إنكار صعوده (صلى اللّه عليه و سلم) على البراق، و قد جاء «كان موسى أشدهم عليّ حين مررت عليه، و خيرهم إليّ حين رجعت، و نعم الصاحب كان لكم أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم لما جاوزه عند الصعود بكى، فنودي ما يبكيك؟
قال: رب هذا غلام» أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان حديث السن بالنسبة لموسى (صلى اللّه عليه و سلم)، هذا هو المناسب للمقام «بعثته بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي» و في رواية «تزعم بنو إسرائيل» أي و هو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة و السلام، و معنى إسرائيل عبد اللّه، و قيل صفوة اللّه. و في لفظ «تزعم الناس أنه أكرم على اللّه مني، و لو كان هذا وحده هان، و لكن معه أمته و هم أفضل الأمم عند اللّه تعالى» أي انضم إلى شرفه شرف أمته على سائر الأمم.
أقول: و الغرض من هذا و ما تقدم عنه عند مروره (صلى اللّه عليه و سلم) على قبره عليه الصلاة و السلام عند الكثيب الأحمر إظهار فضيلة نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) و فضيلة أمته، بأنه أفضل الأنبياء