السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٦٨ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
و السلام كان في السادسة و موسى كان في السابعة كما تقدم.
«و لما أتى إلى موسى عليه الصلاة و السلام قال له: ما فرض ربك عليك» أي و في لفظ «بم أمرت؟ قال: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني بلوت بني إسرائيل و خبرتهم» أي و في البخاري «إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، و إني و اللّه قد جربت الناس قبلك، و عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، أي فإنه فرض عليهم صلاتان فما قاموا بهما: أي ركعتان بالغداة و ركعتان بالعشي، و قيل فرض ركعتان عند الزوال: أي فما قاموا بذلك».
و في «تفسير البيضاوي» أن الذي فرض على بني إسرائيل خمسون صلاة في اليوم و الليلة، و سيأتي ذكر ذلك في بعض الروايات.
و يرده قولهم: إن سبب طلب التخفيف أنه استكثر الخمس التي هي المرة الأخيرة فهو إنما يناسب ما تقدم.
ثم رأيت القاضي البيضاوي قال في تفسير قوله تعالى رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [البقرة: الآية ٢٨٦] أن من ذلك الإصر الذي كلفت به بنو إسرائيل خمسون صلاة في اليوم و الليلة. و كتب عليه الجلال السيوطي في الحاشية أن كون بني إسرائيل كلفوا بخمسين صلاة في اليوم و الليلة باطل و بسط الكلام على ذلك.
«ثم قال موسى فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك» أي و إنما كانت أمته مأمورة بما أمر به و مفروض عليها ما فرض عليه، لأن الفرض عليه (صلى اللّه عليه و سلم) فرض على أمته، و الأمر له (صلى اللّه عليه و سلم) أمر لها، لأن الأصل أن ما ثبت فيه حق كل نبي ثبت في حق أمته إلا أن يقوم الدليل على الخصوصية.
قال «فرجعت إلى ربي أي انتهى إلى الشجرة فغشيته السحابة و خر ساجدا، فقلت: يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك و اسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك و تعالى و بين موسى (صلى اللّه عليه و سلم)، حتى قال اللّه تعالى: يا محمد إنهن خمس صلوات في كل يوم و ليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، و من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، و من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، قال (صلى اللّه عليه و سلم):
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» أي و في رواية «أنه وضع عنه عشر صلوات عشر صلوات إلى أن أمر بخمس صلوات» و جاء في الحديث «أكثروا من الصلاة على موسى، فما رأيت أحدا من الأنبياء أحوط على أمتي منه».