السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٥٦٩ - باب ذكر الإسراء و المعراج و فرض الصلوات الخمس
أقول في الوفاء أن رواية «وضعت خمس صلوات» من أفراد مسلم، و رواية «وضع عنه عشر صلوات» أصح، لأنه قد اتفق البخاري و مسلم عليها، و الرواية التي فيها «حط خمسا خمسا» غلط من الرواة هذا كلامه فليتأمل.
و المتبادر من قوله «إلى أن أمر بخمس صلوات» أنه رفع التعلق بجميع الخمسين و أثبت تعلقا جديدا بخمس ليست من الخمسين، فالمنسوخ جميع الخمسين.
و يحتمل أنه رفع التعلق بجملة الخمسين مع اثبات التعلق بخمسة منها التي هي بعضها، فيكون المنسوخ ما عدا الخمس من الخمسين. قيل، و في هذا وقوع النسخ قبل البلاغ. و قد اتفق أهل السنة و المعتزلة على منعه.
و ردّ بأن هذا وقع بعد البلاغ بالنسبة للنبي (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه كلف بذلك ثم نسخ، فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري (رحمه اللّه تعالى): و ما قيل إن الخمس في ليلة الإسراء ناسخة للخمسين إنما هو في حقه (صلى اللّه عليه و سلم) لبلوغه له، لا في حق الأمة: أي لعدم بلوغه لهم، هذا كلامه. و إذا نسخ في حقه (صلى اللّه عليه و سلم) نسخ في حق أمته كما هو الأصل إلا أن تثبت الخصوصية بدليل صحيح، و هذا يردّ ما في الخصائص الصغرى للسيوطي (رحمه اللّه تعالى)، من أن وجوب الخمسين لم ينسخ في حقه (صلى اللّه عليه و سلم)، و إنما نسخ في حق الأمة، و لعل مستنده في ذلك رواية «فرض اللّه على أمتي ليلة الإسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه و أسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم و ليلة» أي على الأمة كما هو المتبادر، و قول موسى عليه الصلاة و السلام له (صلى اللّه عليه و سلم) «إن أمتك لا تطيق ذلك» و ربما يوافق ذلك قول الإمام السبكي في تائيته:
و قد كان ربّ العالمين مطالبا* * * بخمسين فرضا كل يوم و ليلة
فأبقيت أجر الكل ما اختل ذرة* * * و خففت الخمسون عنا بخمسة
و فيه النسخ قبل التمكن من الفعل، و هو يردّ قول المعتزلة القائلين بأنه لا يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل و دخول وقته.
و الظاهر من الخمسين التي فرضت أولا أن كل صلاة من الخمس تكرر عشر مرات فما زاد الخمس مساو لها.
و يحتمل أن تكون صلوات أخر مغايرة لتلك الخمس، و لم أقف على بيان تلك الصلوات.
و على أن الخمسين لم تنسخ في حقه (صلى اللّه عليه و سلم) لم أقف على ما يدل على أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صلاها و لا على كيفية صلاته (صلى اللّه عليه و سلم) لها، و إلى عروجه (صلى اللّه عليه و سلم) و رجوعه أشار صاحب الهمزية بقوله: