السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩٤ - باب ذكر وفاة عمه أبي طالب، و زوجته
أرادوا الفخر برجل منهم و تعصبوا له، فلما بادر إليه الأباعد و قاتلوا على حبه من كان منهم حتى أن الشخص منهم يقتل أباه و أخاه، علم أن ذلك إنما هو عن بصيرة صادقة و يقين ثابت.
و ذكر «أنه لما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه، فقال: يا بن أخي، و اللّه لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بقولها، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لم أسمع». و فيه أنه لم يثبت أن العباس ذكر ذلك بعد الإسلام و أيضا نزول الآية حيث ثبت أن نزولها في حق أبي طالب يردّ ذلك.
و يرده أيضا ما في الصحيحين عن العباس رضي اللّه تعالى عنه أنه قال «قلت يا رسول اللّه إن أبا طالب كان يحيطك و ينصرك فهل ينفعه ذلك؟ قال نعم، وجدته- أي كشف لي عن حاله و ما يصير إليه يوم القيامة- فوجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح» أي و في لفظ آخر «قال نعم، هو- أي يوم القيامة- في ضحضاح من النار، لو لا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» و لو كانت الشهادة المذكورة عند العباس ما سأل هذا السؤال و لأداها بعد الإسلام، إذ لو أداها لقبلت.
و قد يقال: إنما سأل هذا السؤال و لم يعد الشهادة بعد الإسلام، لأنه لما قال له (صلى اللّه عليه و سلم) أولا لم أسمع، فهم أنه حيث لم يسمعها (صلى اللّه عليه و سلم) لم يعتدّ بها سأل هذا السؤال و فهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا.
و يرده أيضا ما جاء في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما كرر علي أبي طالب أن يقول كلمة الشهادة و هو يأتي إلى أن قال هو على دين عبد المطلب قال (صلى اللّه عليه و سلم): أما و اللّه لأستغفرنّ لك ما لم أنه عن ذلك. أي عن الاستغفار لك فأنزل اللّه عز و جل ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) [التوبة: الآية ١١٣] أي و تقدم أن سبب نزول هذه الآية طلب استغفاره لأمه عند زيارة قبرها، أن يقال لا مانع من تكرر سبب نزولها، لجواز أنه (صلى اللّه عليه و سلم) جوّز الفرق بين أمه و عمه، لأن أمه لم تدع للإسلام بخلاف عمه، و في منع استغفاره لأمه ما تقدم. و لا يشكل على ذلك قوله يوم أحد «اللهم اغفر لقومي» لأن ذلك أي غفران الذنوب مشروط بالتوبة: أي الإسلام، فكأنه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا لهم بالتوبة التي هي الإسلام، و يؤيده رواية «اللهم اهد قومي» أي للإسلام. قال: و أيضا جاء في صحيح ابن حبان عن علي رضي اللّه تعالى عنه قال «لما مات أبو طالب أتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللّه إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: اذهب فواره، قال علي رضي اللّه تعالى عنه: فلما واريته جئت إليه، فقال لي اغتسل».
أقول: لأنه غسله، و به و بقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «من غسل ميتا فليغتسل» استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل.