السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٢٩ - باب عرض قريش عليه
التابع على الرجل، حتى يداوى، حتى إذا فرغ عتبة و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يسمع منه قال:
لقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال: فاسمع مني، قال أفعل، قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَ نَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) [فصلت: الآية ٠- ٤]، ثم مضى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فيها فقرأها عليه و قد أنصت عتبة لها و ألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ (١٣) [فصّلت: الآية ١٣] فأمسك عتبة على فيه (صلى اللّه عليه و سلم) و ناشده الرحم أن يكف عن ذلك، ثم انتهى إلى السجدة فيها فسجد. ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت و ذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: يحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا و اللّه ما سمعت مثله قط، و اللّه ما هو بالشعر و لا بالسخر و لا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي، خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه فاعتزلوه، فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، و إن يظهر على العرب فملكه ملككم و عزه عزكم و كنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك و اللّه يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم» قال: و في رواية «أن عتبة لما قام من عند النبي (صلى اللّه عليه و سلم) أبعد عنهم و لم يعد عليهم، فقال أبو جهل: و اللّه يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أعجبه كلامه فانطلقوا بنا إليه، فأتوه فقال أبو جهل: و اللّه يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أعجبك أمره، فقص عليهم القصة، فقال: و اللّه الذي نصبها بنية يعني الكعبة ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود، فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف، و قد علمت أن محمدا (صلى اللّه عليه و سلم) إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب، فقالوا له: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: و اللّه ما سمعت مثله، و اللّه ما هو بالشعر» إلى آخر ما تقدم «فقالوا: و اللّه سحرك يا أبا الوليد، قال: هذا رأيي فيكم، فاصنعوا ما بدا لكم» ا ه.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أن قريشا: أي أشرافهم و شيختهم، منهم الأسود بن زمعة، و الوليد بن المغيرة، و أمية بن خلف، و العاص بن وائل، و عتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و أبو سفيان، و النضر بن الحارث، و أبو جهل.
و في الينبوع «أتى الوليد بن المغيرة في أربعين رجلا من الملأ: أي من السادات منزل أبي طالب و سألوه أن يحضر لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و يأمره بإشكائهم ما يشكون منه» أي أن يزيل شكواهم منه «و يجيبهم إلى أمر فيه الألفة و الإصلاح، فأحضره و قال: يا ابن أخي هؤلاء الملأ من قومك فأشكهم و تألفهم، فعاتبوا النبي (صلى اللّه عليه و سلم) على تسفيه أحلامهم و أحلام آبائهم و عيب آلهتهم» الحديث: أي قالوا له «يا محمد إنا بعثنا