السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٦ - باب استخفائه
الدخان من الجهد، فأنزل اللّه تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) [الدخان: الآية ١٠ و ١١] فأتى أبو سفيان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه استسق لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى (صلى اللّه عليه و سلم) فسقوا، فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل اللّه يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) [الدّخان: الآية ١٦]» يعني يوم بدر.
و من ذلك ما حدث به عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه قال: «كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يطوف بالبيت و يده في يد أبي بكر و في الحجر ثلاثة نفر جلوس: عقبة ابن أبي معيط، و أبو جهل بن هشام، و أمية بن خلف، فمرّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليه، فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره، فعرف ذلك في وجه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فدنوت منه حتى وسطته: أي جعلته وسطا، فكان (صلى اللّه عليه و سلم) بيني و بين أبي بكر و أدخل أصابعه في أصابعي و طفنا جميعا، فلما حاذاهم قال أبو جهل: و اللّه لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة و أنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، أنا ذلك، ثم مشى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه، أي قاموا له (صلى اللّه عليه و سلم)، و وثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه (صلى اللّه عليه و سلم)، فدفعت في صدره فوقع على استه، و دفع أبو بكر أمية بن خلف، و دفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو واقف. ثم قال: أما و اللّه لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه أي ينزل عليكم عاجلا. قال عثمان: فو اللّه ما منهم رجل إلا و قد أخذته الرعدة، فجعل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: بئس القوم أنتم لنبيكم، ثم انصرف إلى بيته و تبعناه حتى انتهى إلى باب بيته، ثم أقبل علينا بوجهه. فقال: أبشروا، فإن اللّه عز و جل مظهر دينه، و متمم كلمته، و ناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح اللّه على أيديكم عاجلا، ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو اللّه لقد ذبحهم اللّه بأيدينا يوم بدر».
أقول: و لا يخالف ذلك كون عقبة بن أبي معيط حمل أسيرا من بدر و قتل بعرق الظبية صبرا و هم راجعون من بدر، و لا كون عثمان بن عفان لم يحضر بدرا و اللّه أعلم.
و في رواية «أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته (صلى اللّه عليه و سلم) الشريفة و هو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان».
أي و في رواية «دخل عقبة بن أبي معيط الحجر فوجده (صلى اللّه عليه و سلم) يصلي فيه فوضع ثوبه على عنقه (صلى اللّه عليه و سلم) و خنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه حتى أخذ بمنكبه، و دفعه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَ قَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر: الآية ٢٨].
أي و في البخاري عن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما قال: «قلت