السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩٧ - باب ذكر أول الناس إيمانا به
شرب، ثم قال للضرع: اقلص فرجع كما كان» أي لا وجود له على ظاهر ما في الأصل، أو لا لبن فيه على ما في النهاية كالصحاح، و إلى ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله:
و رب عناق ما نزا الفحل فوقها* * * مسحت عليها باليمين فدرّت
قال ابن مسعود: فلما رأيت هذا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قلت: يا رسول اللّه علمني، فمسح رأسي و قال: «بارك اللّه فيك فإنك غلام معلم».
أقول: فإن قيل قول ابن مسعود و لكني مؤتمن، و عدوله (صلى اللّه عليه و سلم) عن ذات اللبن إلى غيرها يخالف ما سيأتي في حديث المعراج و الهجرة أن العادة كانت جارية بإباحة مثل ذلك اللبن لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك، فكان كل راع مأذونا له في ذلك و إذا كان ذلك أمرا متعارفا مشهورا يبعد خفاؤه.
قلنا: قد يقال لا مخالفة لأن ابن السبيل المسافر، و جاز أن يكون النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه لم يكونا مسافرين، لجواز أن تكون تلك الغنم التي كان فيها ابن مسعود ببعض نواحي مكة القريبة منها، التي لا يعدّ قاصدها مسافرا، و لعله لا ينافي ذلك ما سيأتي أن من خصائصه (صلى اللّه عليه و سلم) أبيح له أخذ الطعام و الشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج (صلى اللّه عليه و سلم) إليهما، و أنه يجب على مالكهما بذل ذلك له.
و كان عبد اللّه بن مسعود يعرف بأمه و هي أم عبد، و كان قصيرا جدا طوله نحو ذراع خفيف اللحم، و لما ضحكت الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم من دقة رجليه قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لرجل عبد اللّه في الميزان أثقل من أحد» و قال (صلى اللّه عليه و سلم) في حقه:
«رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، و سخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد».
و قوله: «لرجل عبد اللّه في الميزان» يدل للقول بأن الموزون الإنسان نفسه لا عمله، و كان (صلى اللّه عليه و سلم) يكرمه و يدنيه و لا يحجبه، فلذلك كان كثير الولوج عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كان يمشي أمامه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه، و يستره إذا اغتسل، و يوقظه إذا نام، و يلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه، و لذلك كان مشهورا بين الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم بأنه صاحب سر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و بشره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالجنة، و لم أقف على أنه أسلم حين أجفلت الشاة، لكن قول العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين:
أسلم قديما بمكة لما مرّ به (صلى اللّه عليه و سلم) و هو يرعى غنما إلى آخره، يدل على أنه أسلم حينئذ. و مما يؤثر عنه: الدنيا كلها هموم، فما كان فيها من سرور فهو ربح، و اللّه أعلم.
و ذكر في الأصل أن من السابقين أبا ذر الغفاري، و اسمه جندب بن جنادة بضم الجيم فيهما قال: و سبب إسلامه ما حدث به قال: صليت قبل أن ألقى النبي (صلى اللّه عليه و سلم)