السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٨ - باب بدء الوحي له
أي و في بعض الروايات أنه قال لها: «إن ابن عمك لصادق و إن هذا لبدء نبوة» و في لفظ «إنه لنبي هذه الأمة» أي و في الشفاء أن قوله (صلى اللّه عليه و سلم) لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» ليس معناه الشك فيما آتاه اللّه تعالى من النبوة، و لكنه لعله خشي أن لا تحتمل قوته (صلى اللّه عليه و سلم) مقاومة الملك و أعباء الوحي، بناء على أنه قال ذلك بعد لقاء الملك و إرساله إليه بالنبوة، فإن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل.
و في كلام الحافظ ابن حجر، اختلف العلماء في هذه الخشية على اثني عشر قولا، و أولاها بالصواب و أسلمها من الارتياب أن المراد بها الموت أو المرض أو دوام المرض هذا كلامه، فليتأمل مع رواية «خشيت على عقلي».
قال: و في بعض الروايات أن خديجة قبل أن تذهب به إلى ورقة ذهبت به إلى عداس و كان نصرانيا من أهل نينوى: قرية سيدنا يونس عليه الصلاة و السلام، فقالت له: يا عداس أذكرك اللّه إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل: أي فإن هذا الاسم لم يكن معروفا بمكة و لا بغيرها من أرض العرب كما تقدم، فقال عداس:
قدوس قدوس، ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل أوثان؟ أي و القدوس المنزه عن العيوب و أن هذا يقال للتعجب كما تقدم، فقالت: أخبرني بعلمك فيه؟ قال: هو أمين اللّه بينه و بين النبيين، و هو صاحب موسى و عيسى عليهما الصلاة و السلام ا ه.
و فيه أنه سيأتي عند الكلام على ذهابه (صلى اللّه عليه و سلم) للطائف بعد موت أبي طالب يلتمس إسلام ثقيف اجتماعه بعداس الموصوف بما ذكر، لكن في تلك القصة ما قد يبعد معه كل البعد أنه المذكور هنا فليتأمل، ثم رأيت أن عداسا المذكور هنا كان راهبا و كان شيخا كبير السن، و قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر، و أن خديجة قالت له:
أنعم صباحا يا عداس، فقال: كأن هذا الكلام كلام خديجة سيدة نساء قريش، قالت أجل، قال ادني مني فقد ثقل سمعي، فدنت منه ثم قالت له ما تقدم، و هذا صريح في أنه غير عداس الآتي ذكره، و أنهما اشتركا في الاسم و البلد و الدين، أي و كونهما غلامين لعتبة بن ربيعة.
ففي كلام ابن دحية: عداس كان غلاما لعتبة بن ربيعة من أهل نينوى، عنده علم من الكتاب، فأرسلت إليه خديجة تسأله عن جبريل، فقال: قدوس قدوس الحديث و لا يخفى أن هذا اشتباه وقع من بعض الرواة بلا شك.
و في رواية أن عداسا هذا قال لها: يا خديجة إن الشيطان ربما عرض للعبد فأراه أمورا، فخذي كتابي هذا فانطلقي به إلى صاحبك، فإن كان مجنونا فإنه سيذهب عنه، و إن كان من اللّه فلن يضره، فانطلقت بالكتاب معها، فلما دخلت منزلها إذا هي برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مع جبريل يقرئه هذه الآيات ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ