السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٩ - باب بدء الوحي له
(١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) [القلم: الآيات ١- ٦] فلما سمعت خديجة قراءته اهتزت فرحا ثم قالت للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) فداك أبي و أمي، امض معي إلى عداس، فلما رآه عداس كشف عن ظهره فإذا خاتم النبوة يلوح بين كتفيه، فلما نظر عداس إليه خر ساجدا يقول: قدوس قدوس، أنت و اللّه النبي الذي بشر بك موسى و عيسى الحديث.
و فيه إن كان هذا قبل أن تذهب به إلى ورقة اقتضى أن نزول سورة ن قبل اقرأ، و لا يحسن ذلك مع قوله لجبريل ما أنا بقارئ، إذ هو صريح في أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقرأ قبل ذلك شيئا، و من ثم كان المشهور أن أول ما نزل اقرأ. و كون ن نزلت لهذا السبب مخالف لما ذكر في أسباب النزول أنها نزلت لما وصفه المشركون بأنه مجنون، إلا أن يقال لا مانع من تعدد النزول.
و ذكر ابن دحية أيضا أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما أخبرها بجبريل و لم تكن سمعت به قط، كتبت إلى بحيرا الراهب فسألته عن جبريل، فقال لها: قدوس قدوس يا سيدة نساء قريش، أنى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلي و ابن عمي أخبرني بأنه يأتيه، فقال: إنه السفير بين اللّه و بين أبنائه، و إن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به، و لا أن يتسمى باسمه.
و هذه العبارة: أي كون جبريل هو السفير بين اللّه و بين أنبيائه صدرت من الحافظ السيوطي، و زاد: و لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة.
و اعترض عليه بعضهم بأن إسرافيل كان سفيرا بين اللّه و بينه (صلى اللّه عليه و سلم). فعن الشعبي أنه جاءته (صلى اللّه عليه و سلم) النبوة و هو ابن أربعين سنة، و قرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، و في لفظ عنه: فلما مضت ثلاث سنين تولى عنه إسرافيل و قرن به جبريل: أي و قد تقدم أن إسرافيل قرن به (صلى اللّه عليه و سلم) قبل النبوة ثلاث سنين يسمع حسه و لا يرى شخصه، يعلمه الشيء بعد الشيء إلى آخره، و حينئذ يلزم أن يكون قرن به بعد النبوة ثلاث سنين أيضا، و سيأتي عن بحث بعض الحفاظ أنها مدة فترة الوحي فليتأمل. و أجاب الحافظ السيوطي عن ذلك بأن السفير هو المرصد لذلك، و ذلك لا يعرف لغير جبريل، و لا ينافي ذلك مجيء غيره من الملائكة إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في بعض الأحيان.
و لك أن تقول: إن كان المراد بالمجيء إليه بوحي من اللّه كما هو المتبادر فليس في هذه الرواية أن إسرافيل و غيره من الملائكة كان يأتيه بوحي من اللّه قبل مجيء جبريل له (صلى اللّه عليه و سلم) بوحي غير النبوة، و لا يخرجه ذلك عن الاختصاص باسم السفير، و بأن إسرافيل لم ينزل لغير النبي (صلى اللّه عليه و سلم) من الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم) كما ثبت في الحديث، فلم يكن السفير بين اللّه و جميع أنبيائه.
قيل و إنما خص بذلك لأنه أول من سجد من الملائكة لآدم. و رأيته سئل هل