السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٤٧ - باب بدء الوحي له
الحديث، و تحمل الكل» أي الشيء الذي يحصل منه التعب و الإعياء لغيرك «و تكسب المعدوم» بضم التاء. و المعدوم الذي لا مال له لأن من لا مال له كالمعدوم: أي توصل إليه الخير الذي لا يجده عند غيرك.
و بهذا يعلم سقوط قول الخطابي الصواب المعدوم بلا واو، لأن المعدوم: أي الشخص المعدوم لا يكسب: أي لا يعطى الكسب «و تقري الضيف، و تعين على نوائب الحق» أي على حوادثه «فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل، فقالت له خديجة رضي اللّه تعالى عنها: أي عم اسمع من ابن أخيك» أي و قولها أي عم صوابه ابن عم، لأنه ابن عمها لا عمها كما وقع في مسلم.
قال ابن حجر: و هو وهم لأنه و إن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد و مخرجها متحد: أي فلا يقال يجوز أنها جاءت إليه بعد نزول الآية مرتين، قالت في مرة أي عم، و في مرة أي ابن عم «قال ورقة: يا ابن أخي ما ذا ترى: فأخبره رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى» أي صاحب سر الوحي و هو جبريل «يا ليتني فيها جذعا» أي يا ليتني حينئذ أكون في زمن الدعوى إلى اللّه: أي إظهاره الذي جاء به و أنذر، أو أصل وجودها بناء على تأخر الدعوى التي هي الرسالة عن النبوة على ما يأتي شابا حتى أبالغ في نصرتها «يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أو مخرجيّ هم؟» بتشديد الياء المفتوحة لأنه جمع مخرج، و الأصل أو مخرجوني حذفت النون للإضافة فصار مخرجوي، قلبت الواو ياء و أدغمت، قال ورقة: «نعم لم يأت رجل بما جئت به إلا عودي» أي فتكون المعاداة سببا لإخراجه.
و هذا يفيد بظاهره أن من تقدم من الأنبياء أخرجوا من أماكنهم لمعاداة قومهم لهم، و إلا فمجرد المعاداة لا يقتضي الإخراج، فلا يحسن أن يكون علامة عليه، و قد يؤيد ذلك ما تقدم عند الكلام على بناء الكعبة أن كل نبي إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم إلى مكة يعبد اللّه عز و جل بها حتى يموت و تقدم ما فيه.
و في كونه (صلى اللّه عليه و سلم) لم يقل شيئا في جواب قول ورقة إنه يكذب و يؤذي و يقاتل، و قال في جواب قوله: إنه يخرج أو مخرجيّ هم؟ استفهاما إنكاريا، دليل على شدة حب الوطن و عسر مفارقته، خصوصا و ذلك الوطن حرم اللّه و جوار بيته و مسقط رأسه، قال ورقة: «و إن أدركت يومك أنصرك نصرا مؤزرا» أي شديدا قويا، من الأزر و هو الشدة. الذي في الحديث الصحيح «و إن يدركني يومك» و سيأتي في بعض الروايات «و إن يدركني ذلك» قال السهيلي: و هو القياس، لأن ورقة سابق بالوجود، و السابق: هو الذي يدركه ما سيأتي بعده كما جاء «أشقى الناس من أدركته الساعة و هو حي» هذا كلامه.