السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٠٩ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
لا يزال أمرهم ظاهرا إلى أن يجيء الذي تنتظره الأمم. أي المرسل إليهم و هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، لأنه المرسل لجميع الأمم.
و ما زعمه اليهود بأنه يوشع رد بنص التوراة في محل آخر: إن اللّه ربكم يقيم نبيا من إخوتكم مثلي، و قد قال لي: إنه سوف يقيم نبيا مثلك من إخوتهم، و أجعل كلمتي في فيه، و أيما إنسان لم يطع كلامه أنتقم منه، لأن قوله مثلي: أي رسولا بكتاب مشتمل على الأحكام و الشرائع، و ذكر المبدأ و المعاد، لأن يوشع لم يكن له كتاب، بل كان متابعا لسنة موسى عليه الصلاة و السلام في بني إسرائيل خاصة، و أيضا يوشع منهم لا من إخوتهم، فلو كان يوشع لقال منكم.
و ما زعمه النصارى إنه المسيح ردّ عليهم بنصوص الإنجيل التي منها: إن اللّه يقيم لكم نبيا من إخوتكم، لأن المسيح ليس من إخوتهم بل منهم، لأنه من نسل داود. ففي زبور داود: سيولد لك ولد أدعى له أبا و يدعى لي ابنا، و إخوة بني إسرائيل إنما هم أولاد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق و بنو إسرائيل منه. و أيضا لو كان المسيح لم يحسن أن يخاطب بهذا اللفظ.
و في الإنجيل: جاء اللّه من طور سينا، و ظهر بساعير، و أعلن بفاران: أي عرف اللّه بإرساله موسى و عيسى و محمدا (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، لأن ظهور نبوّة موسى كان في طور سينا، و تقدم أنه جبل بالشام. قيل هو الذي بين مصر و إيليا، و أنزلت التوراة عليه فيه. و ظهور نبوّة عيسى كان في ساعير و هو جبل القدس، لأن عيسى عليه الصلاة و السلام كان يسكن بقرية بأرض الخليل يقال لها ناصرة، و باسمها سمي من اتبعه، و أنزل عليه الإنجيل بها. و ظهور نبوّة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) كان في فاران و هي مكة، و أنزل عليه القرآن بها.
و في التوراة أن إسماعيل أقام بقرية فاران، و إنما عبر في جانب موسى بالمجيء لأنه أول المشرعين، لأن كتابه الذي هو التوراة أول كتاب اشتمل على الأحكام و الشرائع، بخلاف ما قبله من الكتب فإنها لم تشتمل على ذلك، و إنما كانت مشتملة على الإيمان باللّه تعالى و توحيده، و من ثم قيل لها صحف، و إطلاق الكتب عليها مجاز. و لما حصل بعيسى و بكتابه الذي هو الإنجيل نوع ظهور عبر في جانبه بالظهور الذي هو أقوى من المجيء، ثم لما زاد الظهور بمجيء محمد (صلى اللّه عليه و سلم) عبر عنه بالإعلان الذي هو أقوى من مجرد الظهور.
و قد قيل في تفسير قوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ [الأعراف: الآية ١٥٧] إنهم يجدون نعته يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [الأعراف: الآية ١٥٧] و هو مكارم الأخلاق و صلة الأرحام وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: الآية ١٥٧] و هو الشرك وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ [الأعراف: الآية ١٥٧] و هي الشحوم التي حرمت على