السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٨٥ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
و في رواية «أين الصعب ذو القرنين؟ ملك الخافقين، و أذلّ الثقلين، و عمر ألفين، ثم كان ذلك كلمحة عين».
قال: و في رواية أخرى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما: أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه بسوق عكاظ فقال: سيأتيكم حق من هذا الوجه؟. و أشار بيده إلى نحو مكة، قالوا له: و ما هذا الحق؟ قال: رجل أبلج أحور، من ولد لؤي بن غالب، يدعوكم إلى كلمة الإخلاص، و عيش و نعيم لا ينفدان، فإذا دعاكم فأجيبوه، و لو علمت أني أعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه. و قد رويت هذه القصة من طرق متعددة.
قال الحافظ ابن كثير: هذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة. و قال الحافظ ابن حجر: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، و هو يردّ قول ابن الجوزي في موضوعاته: حديث قس بن ساعدة من جميع جهاته باطل ا ه.
أقول: ذكر في «النور» أن في قصة قس ما يرشد إلى التعدد مرتين: مرة حفظ (صلى اللّه عليه و سلم) كلامه، و كان قس على جمل أحمر. و الثانية التي لم يحفظ (صلى اللّه عليه و سلم) فيها كلامه كان قس على جمل أورق. قال: لكن لا أدري أي المرتين كانت أوّلا، هذا كلامه.
و قد يقال: النسيان جائز عليه (صلى اللّه عليه و سلم)، فيجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) نسي كلام قس بعد الإخبار به أولا، و يدل لذلك قوله: «لا أظن أني أحفظه الآن» أو قبل الإخبار به، فيكون خبره (صلى اللّه عليه و سلم) متأخرا عن خبر أبي بكر، فلا دلالة في ذلك على التعدد، و وصف الجمل بأنه أحمر، و وصفه بأنه أورق لا يدل على التعدد، لأنه يجوز أن يكون شديد الحمرة و شدة الحمرة تميل إلى السواد و هو الأورق، فأخبر عنه مرة بأنه أحمر، و مرة بأنه أورق. و هذا السياق يدل على تعدد مجيء وفد عبد القيس، مرة جاءوا وحدهم، و مرة جاءوا مع سيدهم الجارود، و قد جاء «رحم اللّه قسا إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم» و اللّه أعلم.
و من ذلك خبر نافع الجرشي، نسبة إلى جرش بضم الجيم و فتح الراء و بالشين المعجمة قبيلة من حمير تسمى به بلدهم: أن بطنا من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و انتشر في العرب، و جاءوا إلى كاهنهم و اجتمعوا إليه في أسفل جبل، فنزل إليهم حين طلعت الشمس، فوقف لهم قائما متكئا على قوس، فرفع رأسه إلى السماء طويلا. ثم قال: يا أيها الناس، إن اللّه أكرم محمدا و اصطفاه و طهر قلبه و حشاه، و مكثه فيكم أيها الناس قليل.
و أما أخبار الكهان على ألسنة الجان فكثيرة أيضا:
منها خبر سواد بن قارب رضي اللّه تعالى عنه، و كان يتكهن في الجاهلية،