السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦٩ - باب ما جاء من أمر رسول اللّه
فأخبره، فسر بذلك و أسلم طلحة. فأخذ نوفل بن العدوية أبا بكر و طلحة رضي اللّه تعالى عنهما فشدهما في حبل واحد، فلذلك سميا القرينين ا ه.
أقول: يحتمل أن هذا الراهب هو بحيرا، و يحتمل أن يكون نسطورا، لأن كلا منهما كان ببصرى كما تقدم في سفره. و يحتمل أن يكون غيرهما، و هو أولى، لما تقدم أن كلا من بحيرا و نسطورا لم يدرك البعثة و اللّه أعلم.
أي و منها ما حدث به سعيد بن العاص بن سعيد، قال: لما قتل أبي العاص يوم بدر كنت في حجر عمي أبان بن سعيد، و كان يكثر السب لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فخرج تاجرا إلى الشام فمكث سنة ثم قدم، فأول شيء سأل عنه قال: ما فعل محمد؟ قال له عمي عبد اللّه بن سعيد: هو و اللّه أعز ما كان و أعلاه، فسكت و لم يسبه كما كان يسبه، ثم صنع طعاما و أرسل إلى سراة بني أمية أي أشرافهم، فقال لهم: إني كنت بقرية فرأيت بها راهبا يقال له بكاء لمن ينزل إلى الأرض منذ أربعين سنة: أي من صومعته، فنزل يوما، فاجتمعوا ينظرون إليه، فجئت فقلت: إن لي حاجة، فقال: ممن الرجل؟ فقلت: إني من قريش، و إن رجلا هناك خرج يزعم أن اللّه أرسله، قال: ما اسمه؟ فقلت محمد، قال: منذ كم خرج؟ فقلت عشرين سنة، قال: أ لا أصفه لك؟ قلت بلى فوصفه، فما أخطأ في صفته شيئا، ثم قال لي: هو و اللّه نبي هذه الأمة، و اللّه ليظهرن، ثم دخل صومعته و قال لي اقرأ (عليه السلام)، و كان ذلك في زمن الحديبية: أي و الحديبية سيأتي أنها كانت سنة ست فالعشرون تقريب.
أي و منها ما حدث به حكيم بن حزام بالزاي رضي اللّه تعالى عنه قال: دخلنا الشام لتجارة قبل أن أسلم و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بمكة، فأرسل إلينا ملك الروم فجئناه، فقال: من أي العرب أنتم؟ من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال حكيم: فقلت يجمعني و إياه الأب الخامس، فقال: هل أنتم صادقيّ فيما أسألكم عنه؟ فقلنا نعم، فقال: أنتم ممن اتبعه أم ممن رد عليه؟ فقلنا: ممن رد عليه و عاداه، فسألنا عن أشياء مما جاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبرناه، ثم نهض و استنهضنا معه، فأتى محلا في قصره و أمر بفتحه، و جاء إلى ستر فأمر بكشفه فإذا صورة رجل، فقال أ تعرفون من هذه صورته؟ قلنا لا، قال: هذه صورة آدم، ثم تتبع أبوابها ففتحها و يكشف عن صور الأنبياء و يقول: أما هذا صاحبكم؟ فنقول لا، فيقول لنا هذه صورة فلان، حتى فتح بابا و كشف عن صورة، فقال: أ تعرفون هذا؟ قلنا نعم، هذا صورة محمد بن عبد اللّه صاحبنا، قال: أ تدرون متى صورت هذه الصور؟ قلنا لا، قال: منذ أكثر من ألف سنة، و إن صاحبكم لنبي مرسل فاتبعوه، و لوددت أني عبده فأشرب ما يغسل من قدميه.