السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦١ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
منهم لغة لا يشاركه غيره فيها، و كان يكلم كل واحد منهم بلغته، و هذا أغرب مما استغرب. و هو أن ترجمان الواثق باللّه من خلفاء بني العباس كان عارفا بألسن كثيرة، حتى قيل إنه يعرف أربعين لغة، و يماري فيها.
و قد قال الحجاج لعروة بن الزبير يوما في كلام جرى بينهما: لا أم لك، فقال: إليّ تقول هذا و أنا ابن عجائز الجنة؟ يعني جدته صفية و عمته خديجة و خالته عائشة و أمه أسماء.
و قال الحجاج يوما لشخص: ما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال الرجل:
ما أقول في رجل أنت سيئة من سيئاته.
و قد أطلق سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة من سجن الحجاج سبعين ألفا قد حبسهم للقتل ليس لواحد منهم ذنب يستوجب به الحبس فضلا عن القتل.
و ذكر أنه كان يحبس الرجال مع النساء، و لم يكن لحبسه بيوت أخلية، فكان الرجل يبول بجانب المرأة و المرأة تبول بجانب الرجل، فتبدو العورات، و كان كل عشرة في سلسلة، و يطعمهم خبز الدخن مخلوطا بالملح و الرماد.
و مر يوم جمعة فسمع استغاثة، فقال: ما هذا؟ فقيل له أهل السجن يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم اخسئوا فيها و لا تكلمون، فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعه.
و آخر من قتله الحجاج من التابعين سعيد بن جبير رضي اللّه تعالى عنه، و لم يقتل بعد ابن جبير إلا رجلا واحدا.
و قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بفرعونها و جئناهم بالحجاج لغلبناهم. و قال سليمان بن عبد الملك لرجل من أخصاء الحجاج بعد موت الحجاج:
أبلغ الحجاج قعر جهنم؟ فقال: يا أمير المؤمنين يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك عبد الملك، و بين أخيك الوليد بن عبد الملك، فضعه في النار حيث شئت.
و من غريب الاتفاق ما حكاه بعضهم، قال: مات رجل، فلما وضع على مغتسله استوى قاعدا و قال: نظرت بعيني هاتين. و أهوى بيديه إلى عينيه- الحجاج و عبد الملك في النار يسحبان بأمعائهما ثم عاد ميتا كما كان.
و الحجاج متأصل في الظلم. فقد رأيت بعضهم حكى أنه يقال في المثل: أظلم من ابن الجلندي، و هو المشار إليه بقوله تعالى: وَ كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: الآية ٧٩] و إنه من أجداد الحجاج، بينه و بينه سبعون جدا.
و استحلف الحجاج رجلا في أمر فقال: لا و الذي أنت في يديه غدا أذل مني بين يديك اليوم، فقال: و اللّه إني يومئذ لذليل.