السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٦ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
و في مدة صلب عبد اللّه بن الزبير صارت أمه تقول: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته. و ذهب أخوه عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان يسأل في إنزاله عن الخشبة فأجابه و أنزله، قال غاسله: كنا لا نتناول عضوا من أعضائه إلا جاء معنا، فكنا نغسل العضو و نضعه في أكفانه، و قامت فصلت عليه أمه و ماتت بعده بجمعة، ذكر ذلك في الاستيعاب، و قيل بعده بمائة يوم. قال الحافظ ابن كثير و هو المشهور.
و بلغت من العمر مائة سنة، و لم يسقط لها سنّ، و لم ينكر لها عقل. و قتل مع ابن الزبير مائتان و أربعون رجلا، منهم من سال دمه في جوف الكعبة. و كان من جملة من قتل عبد اللّه بن صفوان بن أمية الجمحي. قتل يوم قتل ابن الزبير و قطع رأسه، و بعث الحجاج برأسه و رأس ابن الزبير إلى المدينة فنصبوهما و صاروا يقربون رأس عبد اللّه بن صفوان إلى رأس ابن الزبير كأنه يساره يلعبون بذلك، ثم بعثوا بهما إلى عبد الملك بن مروان.
و لما وضعت رأس عبد اللّه بن الزبير بين يدي عبد الملك سجد و قال: و اللّه كان أحب الناس إليّ و أشدهم إليّ إلفا و مودة، و لكن الملك عقيم: أي فإن الرجل يقتل ابنه أو أخاه على الملك فإذا فعل ذلك انقطعت بينهما الرحم، و ستأتي مدحة عبد الملك لعبد اللّه بن الزبير، و توبيخ أمير الجيش الذي أرسله يزيد لمقاتلته.
و قد كان ابن الزبير قال لعبد اللّه بن صفوان: إني قد أقلتك بيعتي، فاذهب حيث شئت، فقال: إنما أقاتل عن ديني، و كان سيدا شريفا مطاعا حليما كريما قتل و هو متعلق بأستار الكعبة. و حينئذ يشكل كونه حرما آمنا.
و مما يدل لما تقدم من أن عبد اللّه بن الزبير كان عنده سوء خلق، ما حكي أنه جاء إليه شخص فقال له: إن الناس على باب عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما يطلبون العلم و إن الناس على باب أخيه عبيد اللّه يطلبون الطعام، فأحدهما يفقه الناس، و الآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مكرمة، فدعا شخصا و قال له: انطلق إلى ابني العباس رضي اللّه تعالى عنهم و قل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني و إلا فعلت و فعلت، فخرجا إلى الطائف: أي و قيل ما خرج عبد اللّه من مكة إلى الطائف إلا لأن اللّه تعالى يقول: وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحجّ: الآية ٢٥].
فقد قال الشيخ محيي الدين بن العربي: اعلم أن اللّه تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة، لأن الشرع قد ورد أن اللّه يؤاخذ فيه من يرد فيه بإلحاد بظلم، و كان هذا سبب سكنى عبد اللّه بن عباس بالطائف احتياطا لنفسه، لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر.
قال بعضهم: كان يقال من أراد الفقه و الجمال و السخاء فليأت دار العباس،