السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٥ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
فأشير على عبد الملك أن يرجع إلى دمشق و يترك ابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يعطه طاعة و لا وثب له على مملكة، فهو في صورة ظالم له، و قصده لعمرو بن سعيد في صورة مظلوم، لأنه نكث بيعته و خان أمانته، و أفسد رعيته، فرجع إلى دمشق فظفر بعمرو بن سعيد.
و يقال إن سبب بناء عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه تعالى عنه للكعبة أنه جاء سيل فطبقها فكان عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه يطوف سباحة: أي و لا مانع من وجود الأمرين الحرق و السيل، فلما رأى عبد اللّه ما وقع في الكعبة شاور من حضر و من جملتهم عبد اللّه بن عباس رضي اللّه تعالى عنهما في هدمها، فهابوا هدمها و قالوا:
نرى أن يصلح ما و هى و لا تهدم، فقال: لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، و لا يكمل إصلاحها إلا بهدمها.
و قد حدثته خالته عائشة رضي اللّه تعالى عنها عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال لها:
«أ لم تري قومك يعني قريشا حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام حين عجزت بهم النفقة، لو لا حدثان قومك بالجاهلية. أي قرب عهدهم- بها» أي و في لفظ «لو لا الناس حديثو عهد بالجاهلية» أي قريب عهدهم بها. أي و في لفظ «لو لا الناس حديثو عهد بكفر و ليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائها لهدمتها و جعلت لها خلفا» أي بابا «من خلفها» أي و في لفظ «لجعلت لها بابا يدخل منه و بابا بحياله يخرج الناس منه» و في لفظ «و جعلت لها بابين بابا شرقيا و بابا غربيا، و ألصقت بابها بالأرض» أي كما كان عليه في زمن إبراهيم «و لأدخلت الحجر فيها» أي و في رواية: «لأدخلت نحو ستة أذرع» و في رواية «ستة أذرع و شيئا» و في رواية «و شبرا» و في رواية «قريبا من سبعة أذرع» فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش. و في لفظ «لأدخلت فيها ما أخرج منها» و في لفظ «لجعلتها على أساس إبراهيم و أزيد» أي بأن أزيد في الكعبة من الحجر: أي ذلك ما أخرجته قريش خشي (صلى اللّه عليه و سلم) أن تنكر قلوبهم هدم بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم، فربما حصل لهم الارتداد عن الإسلام.
و قد ذكر بعضهم أن كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم عليه الصلاة و السلام لم بينها إلا على قواعد إبراهيم، غير أن قريشا ضاقت بهم النفقة: أي الحلال الحديث، و هذا بناء على أن من بعد إبراهيم و قبل قريش بناها كلها و ليس كذلك، بل الحاصل منهم إنما هو ترميم لها فقوله لم يبنها إلا على قواعد إبراهيم ليس على ظاهره، بل المراد أنه أبقاها على ذلك.
قال: و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال لعبد اللّه: دع بناء و أحجارا أسلم عليها المسلمون و بعث عليها النبي (صلى اللّه عليه و سلم): أي فإنه يوشك أن يأتي بعدك من