السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٨ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
يا بني و هما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: الآية ١٢٧] و صار كلما ارتفع البناء ارتفع به المقام في الهواء، فأثر قدم إبراهيم في ذلك الحجر. و قيل إنما أثر في صخرة اعتمد عليها و هو قائم حين غسلت زوجة إسماعيل له رأسه، لأن سارة كانت أخذت عليه عهدا حين استأذنها في الذهاب إلى مكة لينظر كيف حال إسماعيل و هاجر، فحلف لها إنه لا ينزل عن دابته: أي التي هي البراق و لا يزيد على السلام و استطلاع الحال، غيرة من سارة عليه من هاجر، فحين اعتمد على الصخرة ألقى اللّه تعالى فيها أثر قدمه آية، و فيه كيف يعتمد بقدمه على الصخرة و هو راكب دابته؟ إلا أن يقال لما مال بشقه اعتمد عليها بإحدى رجليه مع ركوبه، و هذا يدل على أن الموجود في المقام أثر قدمه لا قدميه، و وقوفه عليه في حال البناء يدل على أن الموجود فيه أثر قدميه فلينظر، و جعل ارتفاع البيت تسعة أذرع، قيل و عرضه ثلاثين ذراعا. قال بعضهم: و هو خلاف المعروف، و لم يجعل له سقفا و لا بناه بمدر، و إنما رصه رصا و جعل له بابا: أي منفذا لاصقا بالأرض، غير مرتفع عنها، و لم ينصب عليه بابا: أي يقفل، و إنما جعله تبع الحميري بعد ذلك، و حفر له بئرا داخله عند بابه: أي على يمين الداخل منه يلقى فيها ما يهدي إليه، و كان يقال لها خزانة الكعبة كما تقدم.
و لما أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس: أي يبتدئون الطواف منه و يختمون به، ذهب إسماعيل عليه الصلاة و السلام إلى الوادي يطلب حجرا، فنزل جبريل عليه الصلاة و السلام بالحجر الأسود يتلألأ نورا: أي فكان نوره يضيء إلى منتهى أبواب الحرم من كل ناحية. و في الكشاف: إنه اسودّ لما لمسته الحيض في الجاهلية، و تقدم أنه اسودّ من مسح آدم به دموعه. و جاء «إن خطايا بني آدم سودته» و أما شدة سواده فبسبب إصابة الحريق له أولا في زمن قريش، و ثانيا في زمن عبد اللّه ابن الزبير، و قد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض زمن نوح، بناء على أنه كان موجودا في تلك الخيمة كما تقدم. و في رواية: إن إبراهيم عليه الصلاة لما قال لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا، قال: يا أبتي إني كسلان لغب أي تعب، قال: عليّ بذلك، فانطلق يأتيه بحجر، فجاءه جبريل بالحجر من الهند و هو الحجر الذي خرج به آدم من الجنة: أي كما تقدم فوضعه إبراهيم موضعه، و قيل وضعه جبريل و بنى عليه إبراهيم، و جاء إسماعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع ذلك الحجر: أي أو بنى عليه فقال: من أين هذا الحجر؟ من جاءك به؟ قال إبراهيم عليه الصلاة و السلام: من لا يكلني إليك و لا إلى حجرك: أي و في لفظ «جاءني به من هو أنشط منك» و في لفظ «إن إسماعيل جاءه بحجر من الجبل، قال: غير هذا، فرده مرارا لا يرضى ما يأتيه به» و جاء «إن اللّه تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق اللّه الأرض زمن نوح عليه الصلاة و السلام، و قال: إذا رأيت خليلي يا بني بيتي فأخرجه له: أي فلما انتهى إبراهيم عليه الصلاة و السلام لمحل