السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٢٦ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
فقلت: اللّه و رسوله أعلم، فقال: إنه يقول: اللهم أنت العدل و قد حجبت عني بصري و قد جعت، فأقبلت جرادة فدخلت في فمه، ثم ضرب بمنقاره الشجرة، فقال عليه الصلاة و السلام: أ تدري ما يقول: قلت: لا، قال إنه يقول: من توكل على اللّه كفاه».
و يقال لما قال سليمان للهدهد، لأعذبنك عذابا شديدا، قال له الهدهد: اذكر يا بني اللّه وقوفك بين يدي اللّه، فلما سمع سليمان (صلوات اللّه و سلامه عليه) ذلك ارتعد فرقا و عفا عنه: أي فإن الهدهد كان دليلا له على الماء، لأن الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة، فلما فقد سليمان الماء تفقد الهدهد فلم يجده، فأرسل خلفه العقاب، فرآه الهدهد مقبلا من جهة اليمن، فلما رآه الهدهد منقضا عليه قال له بحق من أقدرك علي إلا ما رحمتني.
قيل لابن عباس: يا سبحان اللّه! الهدهد يرى الماء تحت الأرض و لا يرى الفخ؟ فقال: إذا وقع القضاء عمي البصر. قيل عني سيدنا سليمان عليه الصلاة و السلام بالعذاب الشديد الذي يعذبه به الهدهد التفرقة بينه و بين إلفه، و قيل إلزامه خدمة أقرانه، و قيل صحبة الأضداد و قد قيل: أضيق السجون عشرة الأضداد. و قيل الزوجة العجوز. قال تعالى حكاية عنه عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النّمل: الآية ١٦].
قال بعضهم: عبر عن أصواتها بالمنطق، لما يتخيل منها من المعاني التي تدرك من النطق، فسليمان (صلوات اللّه و سلامه عليه) مهما سمع من صوت طائر علم بقوته القدسية الغرض الذي أراده ذلك الطائر، و هذا في طائر لم يفصح بالعبارة، و إلا فقد يسمع من بعض الطيور الإفصاح بالعبارة. فنوع من الغربان يفصح بقوله: اللّه حق.
و عن بعضهم قال: شاهدت غرابا يقرأ سورة السجدة، و إذا وصل إلى محل السجود سجد و قال: سجد لك سوادي، و آمن بك فؤادي، و الدرة تنطق بالعبارة الفصيحة.
و قد وقع لي أني دخلت منزلا لبعض أصحابنا و فيه درة لم أرها، فإذا هي تقول لي: مرحبا بالشيخ البكري و تكرر ذلك، فعجبت من فصاحة عبارتها.
و كان (عليه السلام) يعرف نطق الحيوان غير الطير، فقد جاء أن سليمان عليه الصلاة و السلام سمع النملة و قد أحست بصوت جنود سليمان، تقول للنمل ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ [النّمل: الآية ١٨] فعند ذلك أمر سليمان الريح فوقفت حتى دخل النمل مساكنها، ثم جاء سليمان إلى تلك النملة و قال لها:
حذرت النمل ظلمي، قالت: أ ما سمعت قولي وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف: الآية ٩٥] على أني لم أرد حطم النفوس أي إهلاكها، إنما أردت حطم القلوب خشية أن يشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح: أي فيمتن.