السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٦ - باب بنيان قريش الكعبة شرفها اللّه تعالى
الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام. و الاعتمار في كل وقت، و الطواف في كل أوان، و لينظر ما معنى بناء الملائكة للبيوت في السموات. و إذا لم يصح أن الملائكة بنت الكعبة تكون هذه المرة من بناء قريش هي المرة الثالثة، بناء على أنّ أول من بناها آدم (صلى اللّه عليه و سلم) أي أو ولده شيث، فقد قال بعضهم: ما تقدم من الأثرين الدالين على أن أول من بناها الملائكة لم يصح واحد منها، و كانت قبل ذلك: أي و كان محلها قبل بناء آدم، لها خيمة من ياقوتة حمراء، أنزلت لآدم من الجنة: أي لها بابان من زمرد أخضر شرقي، و باب غربي من ذهب، منظومان من در الجنة، فكان آدم يطوف بها و يأنس إليها. و قد حج إليها من الهند ماشيا أربعين حجة و يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور و عبر عنها بحمراء لأن سقف البيت المعمور كان ياقوتة حمراء.
قال: و ذكر أن آدم، لما أهبط إلى الأرض كان رجلاه بها، و رأسه في السماء.
و في لفظ: كان رأسه يمسح السحاب فصلع، فأورث ولده الصلع أي بعض ولده، فسمع تسبيح الملائكة و دعاءهم، فاستأنس بذلك، فهابته الملائكة: أي صارت تنفر منه فشكا إلى اللّه تعالى، فنقص إلى ستين ذراعا بالذراع المتعارف. و قيل بذراع آدم، فلما فقد أصوات الملائكة حزن و شكا إلى اللّه تعالى، فقال: يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به: أي تطوف به الملائكة كما يطاف حول عرشي، و يصلى عنده كما يصلى عند عرشي: أي كان ذلك أي الطواف بالعرش و الصلاة عنده شأن الملائكة أولا، فلا ينافي ما تقدم أنهم بعد ذلك صاروا يطوفون بالبيت المعمور كما تقدم، فاخرج إليه: أي طف به و صلّ عنده، و هذا البيت هو هذه الخيمة التي أنزلت لأجله. و قد علمت أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور.
و قيل أهبط آدم و طوله ستون ذراعا: أي على الصفة التي خلق عليها، و هو المراد بقوله (صلى اللّه عليه و سلم): «خلق اللّه تعالى آدم على صورته و طوله ستون ذراعا» أي أوجده اللّه تعالى على الهيئة التي خلقه عليها، لم ينتقل في النشأة أحوالا، بل خلقه كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح، فالضمير في صورته يرجع لآدم، و على رجوعه إلى الحق سبحانه و تعالى المراد على صفته: أي حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما.
و قد يخالف هذا قول ابن خزيمة قوله (صلى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه خلق آدم على صورته» فخرج على سبب، و هو «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رأى رجلا يضرب وجه رجل فقال: لا تضربه على وجهه، فإن اللّه تعالى خلق آدم على صورته» أي صورة هذا الرجل، فهو ينتقل أطوارا. و لا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، و من ثم عبر بقوله أوجده، و هذا القيل المتقدم من أنه أهبط آدم و طوله ستون ذراعا، يوافقه ما جاء في الحديث المرفوع،