السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٦٦ - باب وفاة عبد المطلب و كفالة عمه أبي طالب له
سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة و عرف أنه ميت جمع بناته و كن ست نسوة: صفية، و هي أم الزبير بن العوام و برة و عاتكة، و أم حكيم البيضاء: أي و هي جدة عثمان بن عفان لأمه، و أميمة و أروى، فقال لهن: ابكين عليّ حتى أسمع ما تقلن فيّ قبل أن أموت، فقالت كل واحدة منهن شعرا في وصفه مذكور في تلك السيرة، و لما سمع جميع ذلك أشار برأسه أن هكذا فابكينني. و يقال إنه إنما أشار بذلك لما سمع قول أميمة و قد أمسك لسانه و كان من قولها:
أ عينيّ جودا بدمع درر* * * على ماجد الخيم و المعتصر
على ماجد الجد واري الزناد* * * جميل المحيا عظيم الخطر
على شيبة الحمد ذي المكرمات* * * و ذي المجد و العز و المفتخر
و ذي الحلم و الفضل في النائبات* * * كثير المفاخر جمّ الفخر
له فضل مجد على قومه* * * متين يلوح كضوء القمر
قال ابن هشام (رحمه اللّه): لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر إلا أنه: أي ابن إسحاق لما رآه عن ابن المسيب كتبه. قال بعضهم: و لم يبك أحد بعد موته ما بكي عبد المطلب بعد موته، و لم يقم لموته بمكة سوق أياما كثيرة.
و روى أبو نعيم و البيهقي: أن سيف بن ذي يزن الحميري لما ولي على الحبشة، و ذلك بعد مولد رسول (صلى اللّه عليه و سلم) بسنتين أتاه وفود العرب و أشرافها و شعراؤها لتهنئه: أي بهلاك ملوك الحبشة و بولايته عليهم: أي لأن ملك اليمن كان لحمير، فانتزعته الحبشة منهم، و استمر في يد الحبشة سبعين سنة ثم إن سيف بن ذي يزن الحميري استنقذ ملك اليمن من الحبشة، و استقر فيه على عادة آبائه، و جاءت العرب تهنئه من كل جانب، و كان من جملتهم وفد قريش و فيهم عبد المطلب و أمية بن عبد شمس، و غالب وجهائهم أي كعبد اللّه بن جدعان بضم الجيم و إسكان الدال المهملة و بالعين المهملة التيمي، و هو ابن عم عائشة رضي اللّه تعالى عنها، و كأسد بن عبد العزى، و وهب بن عبد مناف، و قصي بن عبد الدار، فأخبر بمكانهم: أي و كان في قصره بصنعاء و هو مضمخ بالمسك، و عليه بردان، و التاج على رأسه و سيفه بين يديه، و ملوك حمير عن يمينه و شماله، فأذن لهم فدخلوا عليه، و دنا منه عبد المطلب.
و في الوفاء وجدوه جالسا على سرير من الذهب، و حوله أشراف اليمن على كراسي من الذهب، فوضعت لهم كراسي من الذهب فجلسوا عليها إلا عبد المطلب فإنه قام بين يديه و استأذنه في الكلام، فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك، فقال: إن اللّه عز و جل أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا: أي